هلا كندا – أوتاوا – الخميس 22 أكتوبر 2026 – أعلنت الحكومة الكندية عن حزمة دعم بمليارات الدولارات لحماية قطاعي الصلب والسيارات من تداعيات الرسوم الجمركية الأميركية.
في وقت حذر فيه رئيس الوزراء مارك كارني من أن السياسات التجارية التي تتبعها إدارة الرئيس دونالد ترامب أحدثت تغييرًا عميقًا في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وأضعفت قطاعات صناعية مترابطة على جانبي الحدود.
وكشف كارني وحاكم أونتاريو دوغ فورد، يوم الأربعاء، عن خطة دعم بقيمة إجمالية تبلغ 6.2 مليار دولار كندي، تهدف إلى مساعدة الشركات والعمال المتضررين من الرسوم الأميركية.
في ظل تراجع الصادرات وتصاعد المخاوف بشأن مستقبل الصناعات التي اعتمدت لعقود على التجارة المتبادلة بين كندا والولايات المتحدة.
وتتضمن الخطة تخصيص 3.7 مليار دولار لقطاع الصلب، و1.8 مليار دولار لشركات تصنيع السيارات على مدى خمس سنوات، وفق الأرقام الواردة في الإعلان.
كما تشمل مساهمة اتحادية بقيمة 1.1 مليار دولار ضمن تمويل قطاع السيارات، في إطار الجهود الرامية إلى تخفيف الضغوط التي تواجهها الشركات الكندية بسبب القيود التجارية الأميركية.
ويأتي الإعلان في مرحلة حساسة للاقتصاد الكندي، إذ تعتمد قطاعات صناعية رئيسية على سلاسل إمداد مشتركة مع الولايات المتحدة، حيث تنتقل المواد الخام وقطع الغيار والمكونات بين البلدين قبل وصول المنتجات النهائية إلى الأسواق.
وقال كارني إن الرسوم الجمركية الأميركية نسفت اتفاقًا تجاريًا استمر لعقود، مضيفًا أنها رفعت تكاليف المعيشة على العائلات الأميركية، وفي الوقت نفسه أضعفت موقع العمال والشركات في أونتاريو.
وأكد رئيس الوزراء أن التداعيات لا تقتصر على كندا وحدها، مشيرًا إلى أن تراجع التجارة بين البلدين يضر بالمصنعين والمستهلكين في الجانبين، ويقلص الخيارات المتاحة أمام الأسر.
تراجع الصادرات يضغط على قطاعي السيارات والصلب
تظهر الأرقام التي استند إليها كارني حجم التأثير الذي أحدثه النزاع التجاري على حركة السيارات عبر الحدود.
فقد تراجعت صادرات السيارات الكندية إلى الولايات المتحدة بأكثر من 10 في المئة، بينما انخفضت صادرات السيارات الأميركية إلى كندا بأكثر من 20 في المئة.
واعتبر كارني أن هذه الأرقام تعكس الضرر المتبادل الناتج عن الرسوم الجمركية، إذ لا يقتصر التأثير على المصانع الكندية التي تصدر منتجاتها إلى السوق الأميركية، بل يمتد أيضًا إلى الشركات الأميركية التي تعتمد على المستهلكين الكنديين.
وقال رئيس الوزراء إن الرسوم الجمركية تضعف الصناعتين الأميركية والكندية معًا، وتحد من الخيارات المتاحة أمام العائلات في البلدين.
ويشكل قطاع السيارات أحد أبرز الأمثلة على الترابط الصناعي بين كندا والولايات المتحدة، إذ تعتمد الشركات على شبكة إنتاج وتوريد عابرة للحدود.
ويمكن للرسوم المفروضة على المواد أو المكونات أو السيارات أن تزيد تكاليف الإنتاج، وتؤثر في قرارات الشركات المتعلقة بالتصنيع والتوظيف والتصدير.
أما قطاع الصلب، فيواجه بدوره ضغوطًا مرتبطة بتكاليف الوصول إلى الأسواق الأميركية والقدرة على المنافسة في ظل القيود التجارية.
ومن هنا، تسعى الحزمة الجديدة إلى توفير دعم مالي للقطاعين خلال السنوات المقبلة، مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار العلاقات التجارية.
وجاء الإعلان الحكومي في اليوم نفسه الذي أكدت فيه شركة «كليفلاند-كليفس» الأميركية، المالكة لمصنع في مدينة هاميلتون بأونتاريو، تنفيذ عمليات تسريح للعمال.
ويبرز هذا التطور الأثر المباشر الذي يمكن أن يتركه النزاع التجاري على العاملين في القطاع الصناعي، خصوصًا في المجتمعات التي تعتمد على مصانع الصلب والصناعات المرتبطة بها لتوفير الوظائف ودعم النشاط الاقتصادي المحلي.
ولم تتضمن المعلومات الواردة تفاصيل عن عدد العمال الذين شملتهم عمليات التسريح في مصنع هاميلتون، أو عن ارتباط كل حالة مباشرة بالرسوم الجمركية، لكن توقيت الإعلان عن التسريحات بالتزامن مع حزمة الدعم سلط الضوء على التحديات التي تواجه الصناعة الكندية.
كارني: العلاقة التجارية لن تعود بالضرورة إلى سابق عهدها
في سياق حديثه عن مستقبل العلاقات الاقتصادية بين البلدين، أوضح كارني أن كندا لم تعد تتعامل مع الوضع التجاري باعتباره خلافًا مؤقتًا يمكن أن ينتهي بالعودة الكاملة إلى الظروف السابقة.
وقال دوغ فورد بدوره إن العلاقة لن تعود إلى ما كانت عليه، بغض النظر عما سيحدث في انتخابات منتصف الولاية الأميركية، أو عن الشخص الذي سيشغل منصب الرئيس في البيت الأبيض.
ويعكس هذا التصريح قلقًا متزايدًا في الأوساط الكندية بشأن استقرار السياسات التجارية الأميركية على المدى الطويل، واحتمال استمرار القيود حتى مع تغير الظروف السياسية في الولايات المتحدة.
وكانت المحادثات التجارية بين البلدين قد انهارت في أغسطس، بعدما فرضت إدارة ترامب رسومًا جمركية بنسبة 50 في المئة على ما يقرب من 20 مليار دولار من السلع الكندية، بحسب المعلومات الواردة في التقرير. وردت أوتاوا بإجراءات مضادة، ما زاد من حدة الخلاف بين الشريكين التجاريين.
وأشار كارني إلى أنه أجرى محادثة مطولة مع ترامب يوم الأربعاء، تناولت التجارة وإيران والشرق الأوسط، لكنه أوضح أنه لم يتم التوصل إلى اختراق في الملف التجاري.
ورغم ذلك، أكد رئيس الوزراء أن كندا لا تزال مستعدة للتفاوض، في إشارة إلى أن باب الحوار لم يُغلق نهائيًا، حتى مع استمرار الخلافات حول الرسوم وشروط التبادل التجاري.
ولم يعلن كارني عن اتفاق جديد مع واشنطن أو عن جدول زمني لاستئناف المفاوضات، ما يعني أن مستقبل الإجراءات التجارية لا يزال غير محسوم وفق المعلومات المتاحة.
أوتاوا تسعى إلى مضاعفة الصادرات خارج السوق الأميركية
إلى جانب الدعم المالي الموجه إلى الصلب والسيارات، حدد كارني هدفًا اقتصاديًا يتمثل في مضاعفة الصادرات الكندية إلى الأسواق خارج الولايات المتحدة خلال السنوات العشر المقبلة.
ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك الحكومة أن الاعتماد الكبير على السوق الأميركية يجعل قطاعات واسعة من الاقتصاد الكندي عرضة للتغيرات المفاجئة في السياسة التجارية الأميركية.
وتسعى كندا، من خلال توسيع علاقاتها التجارية مع أسواق أخرى، إلى تنويع وجهات صادراتها وتقليل اعتماد الشركات المحلية على سوق واحدة، مع الحفاظ على الروابط الاقتصادية القائمة مع الولايات المتحدة.
لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب توسيع فرص وصول المنتجات الكندية إلى أسواق جديدة، وبناء علاقات تجارية مستقرة، ومساعدة الشركات على الوصول إلى عملاء خارج أميركا الشمالية.
وأقر كارني بأن نهج واشنطن تجاه التجارة والصناعات المتكاملة في أميركا الشمالية قد تغير، مؤكدًا أن كندا تحتاج بدورها إلى تعديل استراتيجيتها الاقتصادية للتعامل مع هذا الواقع.
ولا يعني التوجه نحو تنويع الصادرات التخلي عن السوق الأميركية، التي تظل محورًا رئيسيًا للتجارة الكندية، لكنه يشير إلى رغبة الحكومة في توفير بدائل أوسع للشركات وتقليل المخاطر المرتبطة بالتغيرات السياسية والتجارية.
خلاف دبلوماسي بعد اتهامات أميركية بالتدخل في الانتخابات
وبالتزامن مع الإعلان عن حزمة الدعم، شهدت العلاقات بين أوتاوا وواشنطن تصعيدًا دبلوماسيًا جديدًا، بعدما أصدرت السفارة الأميركية في كندا بيانًا اتهمت فيه سياسيين كنديين بالسعي إلى التأثير في انتخابات منتصف الولاية الأميركية المقررة الشهر المقبل.
وذكرت السفارة وزيرة الصناعة الكندية ميلاني جولي، بسبب تصريحات ومواقف مرتبطة بمناقشة رسوم انتقامية تستهدف ولايات جمهورية في الولايات المتحدة.
كما أشارت إلى دوغ فورد، على خلفية بث إعلان تلفزيوني داخل الولايات المتحدة يظهر فيه الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان وهو ينتقد الرسوم الجمركية.
وكان الإعلان قد أثار خلافًا سابقًا، إذ دفع ترامب إلى الانسحاب من محادثات تجارية في أكتوبر 2025، وفق المعلومات الواردة في التقرير.
ورفض كارني وفورد الاتهامات الأميركية، كما عارضها محللون مستقلون. ولم يتضمن التقرير ما يشير إلى وجود دليل حاسم يثبت أن التحركات الكندية قادرة على تغيير نتائج الانتخابات الأميركية.
وقال دانيال بيلاند، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ماكغيل، إن الافتراض الضمني بأن كندا تستطيع التأثير بصورة ملموسة في نتيجة انتخابات منتصف الولاية الأميركية أمر غير منطقي على الإطلاق.
ويأتي هذا الجدل في وقت تتداخل فيه الخلافات التجارية مع التوترات السياسية، ما يزيد صعوبة الفصل بين المفاوضات الاقتصادية والمواقف المرتبطة بالسياسة الداخلية في كلا البلدين.
ما الذي تعنيه التطورات للاقتصاد الكندي؟
تضع التطورات الأخيرة الحكومة الكندية أمام تحديين متزامنين: مساعدة الشركات والعمال الذين يواجهون ضغوطًا بسبب الرسوم الجمركية، وإعادة بناء استراتيجية تجارية قادرة على التعامل مع تغيرات السياسة الأميركية.
وتوفر حزمة الدعم المعلنة تمويلًا لقطاعي الصلب والسيارات على مدى خمس سنوات، لكن الإعلان وحده لا يحسم مستقبل المفاوضات التجارية أو يضمن عودة الصادرات إلى مستوياتها السابقة.
كما أن عمليات تسريح العمال في مصنع الصلب بهاميلتون تعكس المخاوف بشأن انعكاسات النزاع على الوظائف والمجتمعات الصناعية، بينما تشير أرقام الصادرات إلى أن التأثير يمتد إلى الشركات والمستهلكين على جانبي الحدود.
وفي الوقت نفسه، يواجه المسار الدبلوماسي تحديات إضافية مع تصاعد الاتهامات المتبادلة بشأن التأثير في السياسة الأميركية، الأمر الذي قد يزيد حساسية المفاوضات المقبلة.
وأكد كارني أن كندا لا تزال مستعدة للتفاوض، لكن حديثه عن تغير العلاقة التجارية بصورة دائمة يشير إلى أن الحكومة تستعد أيضًا لمرحلة قد تتطلب تنويع الأسواق وتعزيز قدرة الصناعات المحلية على مواجهة الاضطرابات.
وبين الدعم المالي والتحرك نحو أسواق جديدة واستمرار الحوار مع واشنطن، تحاول أوتاوا احتواء تداعيات الخلاف التجاري، في وقت لا تزال فيه نتائج المفاوضات المقبلة غير واضحة.