هلا كندا – أوتاوا – السبت 24 أكتوبر 2026 – تستعد زعيمة الجمعية الوطنية للأمم الأولى في كندا، سيندي وودهاوس نيبيناك، للمشاركة في اجتماع مرتقب يجمع قادة الأمم الأولى برئيس الوزراء مارك كارني وحكام المقاطعات.
في خطوة توصف بأنها تاريخية، لكنها تأتي وسط توترات متصاعدة بشأن حقوق السكان الأصليين وخطط الحكومة لتسريع الموافقات على مشروعات البنية التحتية والطاقة والموارد الطبيعية.
ويُعقد الاجتماع يوم الاثنين في أوتاوا، ليكون أول تجمع من هذا النوع منذ عام 2005، عندما التقى قادة السكان الأصليين برئيس الوزراء آنذاك بول مارتن وحكام المقاطعات في مدينة كيلونا بمقاطعة كولومبيا البريطانية.
بهدف وضع خطة مشتركة لمعالجة الفجوات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه مجتمعات السكان الأصليين.
وقالت وودهاوس نيبيناك، في تصريحات أدلت بها قبيل الاجتماع، إنها تستحضر جهود القادة السابقين الذين اضطروا إلى العمل طويلًا لفتح قنوات الحوار مع الحكومات الكندية، معربة عن أملها في أن يروا اليوم الذي أصبح فيه هذا اللقاء ممكنًا.
وأضافت أن الاجتماع يحمل أهمية تاريخية، لكنها شددت على ضرورة ألا يكون مجرد حدث منفرد ينتهي دون نتائج ملموسة.
محذرة من أن فشل هذه المبادرة في تقديم أمل جديد قد يعيد العلاقات بين الطرفين إلى نقطة التوتر السابقة.
وتأتي هذه التحركات في وقت تسعى فيه حكومة كارني إلى تسريع تنفيذ المشروعات الكبرى، في إطار توجه اقتصادي وتنموي تعتبره ضروريًا لدعم النمو وتعزيز الاستثمار.
غير أن عددًا من قادة الأمم الأولى يرون أن تقليص المهل الزمنية للموافقات قد يهدد حقوق مجتمعاتهم، خصوصًا ما يتعلق بالأراضي والمعاهدات والمشاركة في اتخاذ القرارات.
خلافات متصاعدة حول المشروعات الكبرى وحقوق السكان الأصليين
ازدادت حدة التوتر بين الحكومة الفيدرالية وقادة الأمم الأولى بعد وصول كارني إلى السلطة عام 2025، عندما أقرت حكومته تشريعًا لإنشاء مكتب جديد يتولى تسهيل إجراءات تطوير المشروعات الكبرى، مع السعي إلى إصدار الموافقات عليها خلال عام واحد.
وحذر قادة من الأمم الأولى آنذاك من أن هذه المهل المختصرة قد لا تتيح وقتًا كافيًا لاحترام حقوقهم وإجراء المشاورات المطلوبة.
مشيرين إلى احتمال اللجوء إلى المحاكم للطعن في المشروعات التي يرون أنها تتعارض مع حقوقهم. كما أقرت حكومات بعض المقاطعات تشريعات مشابهة لتسريع عمليات التطوير.
ولا تقتصر الخلافات على التشريعات وحدها، إذ تتداخل معها نزاعات تتعلق بمطالبات الأراضي في كولومبيا البريطانية، ومشروع خط أنابيب «باسيفيك لينك» الذي أُعلن عنه حديثًا في ألبرتا، فضلًا عن خطط تطوير منطقة «رينغ أوف فاير» الغنية بالمعادن في أونتاريو.
وتثير هذه الملفات أسئلة حول كيفية تحقيق التوازن بين تطوير الموارد الطبيعية وتوفير فرص العمل والاستثمار، من جهة، واحترام الحقوق القانونية والتاريخية للأمم الأولى، من جهة أخرى.
وعملت الجمعية الوطنية للأمم الأولى على التحضير للاجتماع منذ أشهر، من خلال تنظيم لقاءات عامة مع رؤساء المجتمعات المحلية لمناقشة المطالب والأولويات التي يريدون عرضها على الحكومات.
كما ساعدت جينا ويلسون، التي شغلت سابقًا منصب نائبة الوزير في وزارة خدمات السكان الأصليين الكندية، في تقديم المشورة للقادة خلال إعداد ملفاتهم.
وأصدرت الجمعية الأسبوع الماضي مجموعة من أوراق المواقف التي تتناول التنمية الاقتصادية، والشرطة والسلامة العامة، والتوظيف، والصحة، في محاولة لتحديد المجالات التي تتطلب تحركًا حكوميًا واضحًا.
صندوق ثروة سيادي للأمم الأولى لتوسيع المشاركة الاقتصادية
من أبرز المطالب المطروحة على طاولة الاجتماع إنشاء صندوق ثروة سيادي خاص بالأمم الأولى، وهو اقتراح تقدمت به أمة تشيبيوا في نهر التايمز، ويهدف إلى جمع رؤوس الأموال وتوظيفها بما يضمن بناء ثروة طويلة الأجل داخل المجتمعات الأصلية.
ويُفترض أن يتيح الصندوق للمجتمعات المشاركة في الاستثمارات والمشروعات الكبرى، بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على قرارات الحكومات أو التمويل الحكومي التقليدي.
وقال رئيس أمة تشيبيوا في نهر التايمز، جو ميسكوكومون، في تصريحات سابقة لوكالة الصحافة الكندية، إن الصندوق يمكن أن يمنح المجتمعات سلطة أكبر على استثماراتها، وأن يساعد في تسريع تطوير المشروعات من خلال توفير آلية تمويل وقرار تتجاوز بعض العقبات الحكومية المعتادة.
ويعكس المقترح توجهًا لدى بعض قادة الأمم الأولى نحو المطالبة بدور اقتصادي مباشر، لا يقتصر على التشاور بشأن المشروعات، بل يشمل المشاركة في تمويلها وتحديد أولويات الاستثمار والاستفادة من عوائدها.
ومع ذلك، يخشى قادة آخرون من أن يتحول التركيز على التنمية الاقتصادية إلى وسيلة لتهميش قضايا الحقوق والسيادة والعدالة الاجتماعية، خصوصًا إذا لم تُمنح المجتمعات المعنية سلطة فعلية في القرارات التي تمس أراضيها ومستقبلها.
ومن المقرر أن يسبق الاجتماع الرسمي يوم من المراسم التقليدية تنظمه الجمعية الوطنية للأمم الأولى يوم الأحد.
وقالت وودهاوس نيبيناك إن إقامة هذه المراسم بحضور رئيس الوزراء وحكام المقاطعات تحمل أهمية خاصة، لأن بعض ممارسات السكان الأصليين التقليدية كانت محظورة في السابق بموجب القانون الهندي الكندي المعروف باسم «Indian Act».
وترى أن حضور المسؤولين لهذه المراسم يمثل فرصة للاعتراف بالتاريخ والثقافة والتقاليد التي تعرضت للتقييد خلال فترات سابقة من السياسات الحكومية.
أما اجتماع الاثنين، فسيُعقد خلف أبواب مغلقة، وستُمثل الأمم الأولى فيه إلى حد كبير قيادات إقليمية من الجمعية الوطنية للأمم الأولى.
ولم يعلن مكتب مجلس الملكة الخاص حتى الآن أسماء حكام المقاطعات الذين سيشاركون.
وتطالب وودهاوس نيبيناك بأن يُبث الاجتماع علنًا حتى يتمكن الكنديون من متابعة النقاشات ومعرفة الالتزامات التي قد تخرج بها الحكومات، مؤكدة استمرارها في الضغط على مكتب مجلس الملكة الخاص لتحقيق ذلك.
اتفاق كيلونا.. تجربة سابقة لا تزال تلقي بظلالها
تستحضر القيادات المشاركة في الاجتماع تجربة اتفاق كيلونا لعام 2005، الذي جاء بعد لقاء موسع شارك فيه نحو ألف شخص، من بينهم ممثلون عن الجمعية الوطنية للأمم الأولى، ومنظمة «إينويت تابيرييت كاناتامي»، والمجلس الوطني للميتيس، والجمعية الوطنية للنساء الأصليات في كندا.
وكان الهدف من ذلك الاجتماع تغيير النهج المتبع في صياغة السياسات المتعلقة بالسكان الأصليين، بحيث لا تبقى القرارات وصفات تضعها الحكومات الكندية من جانب واحد، بل تتحول إلى عملية تعاونية يشارك فيها ممثلو المجتمعات المعنية.
وانتهت الاجتماعات بالتزامات حكومية لإنفاق مليارات الدولارات لمعالجة قضايا من بينها وفيات الرضع، وتحسين مستويات التعليم، ومواجهة البطالة. وأُطلق على هذه الالتزامات اسم «اتفاق كيلونا».
لكن تنفيذ الاتفاق تعثر بعد سقوط حكومة بول مارتن بعد أيام قليلة من انتهاء الاجتماعات. وتولى ستيفن هاربر رئاسة الوزراء لاحقًا، وأطلق برنامجًا واسعًا لتطوير الموارد الطبيعية.
وهو ما أسهم في ظهور خلافات جديدة بين الحكومة الفيدرالية والسكان الأصليين، وصولًا إلى حركة الاحتجاج «Idle No More» عام 2012.
وقال جيف كوبينيس، رئيس أمة أوجيبوايز أوف أونيغامنيغ، الذي عمل في مكتب مارتن خلال الفترة التي صيغ فيها اتفاق كيلونا، إن الاتفاق قدم نهجًا عمليًا لتحسين الاقتصاد الكندي من خلال دعم شريحة سكانية سريعة النمو.
وأضاف أن الاجتماع السابق كان مهمًا أيضًا لأنه أتاح لكثير من الكنديين التعرف على السكان الأصليين من منظور مختلف.
وأشار إلى إقامة مراسم تطهير تقليدية خلال اللقاء، ما أتاح للحاضرين فرصة مشاهدة إحدى الممارسات الثقافية الأصلية.
كما قال إنه شعر آنذاك بأن السكان الأصليين ظهروا في التغطية الإخبارية في سياق إيجابي، وهو أمر لم يكن معتادًا بالنسبة إليه.
ورغم إحراز بعض التقدم منذ ذلك الحين، يرى كوبينيس أن عددًا من الأهداف التي وُضعت في كيلونا لم يتحقق بعد.
وهو يخشى أن يؤدي التركيز المفرط على الاقتصاد في اجتماع الاثنين إلى تأجيل معالجة أزمات الإدمان والتشرد والانتحار التي تواجه بعض المجتمعات.