هلا كندا – أوتاوا – السبت 24 أكتوبر 2026 – اختتم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني زيارته الرسمية إلى تركيا، التي استمرت ثلاثة أيام وشهدت خطوات لتعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين/
تمهيدًا لإطلاق محادثات بشأن اتفاق للتجارة الحرة خلال الأسابيع المقبلة، إلى جانب توسيع التعاون في مجالات الدفاع والطاقة والنقل الجوي.
وقبل مغادرته إسطنبول عائدًا إلى أوتاوا، زار كارني مسجد كارييه التاريخي برفقة زوجته ديانا فوكس كارني، في محطة ثقافية اختيرت لتسليط الضوء على أهمية التراث في تعزيز التقارب بين الشعوب والدول.
وجاءت الزيارة في ختام أول زيارة ثنائية يقوم بها رئيس وزراء كندي إلى تركيا، في وقت تسعى فيه الحكومة الكندية إلى تنويع علاقاتها التجارية وتقليل اعتماد اقتصادها على الولايات المتحدة، عبر بناء شراكات أوسع مع دول أخرى.
ويُعد مسجد كارييه أحد المعالم التاريخية البارزة في إسطنبول، إذ كان في الأصل كنيسة بيزنطية، ويشتهر بطرازه المعماري التاريخي وما يضمه من لوحات جدارية وفسيفساء فنية.
وتعكس مراحل تطور المبنى تعاقب حقب تاريخية مختلفة، من العصر الروماني والبيزنطي إلى العهد العثماني وتركيا الحديثة.
وذكر بيان تعريفي صادر عن مكتب رئيس الوزراء أن اختيار الموقع يعكس «اعتراف كندا بأهمية التراث الثقافي بوصفه جسرًا يربط بين الشعوب والأمم».
لحظة كندية غير متوقعة أمام المسجد
وشهدت نهاية الزيارة موقفًا عفويًا عندما صادف سائح كندي كارني أثناء خروجه من المسجد، فهتف قائلًا: «هيا يا أويلرز!»، في إشارة إلى فريق إدمونتون أويلرز للهوكي، الذي يشجعه رئيس الوزراء.
ورد كارني على السائح بالقول إن الفريق يبدو جيدًا هذا الموسم، مضيفًا أن عليه الانتظار حتى انطلاق الأدوار الإقصائية لمعرفة ما سيحدث.
وأضفت هذه اللحظة طابعًا غير رسمي على ختام الزيارة، بعدما ركزت الاجتماعات السابقة على ملفات سياسية واقتصادية تتعلق بمستقبل العلاقات بين أوتاوا وأنقرة، والفرص المتاحة أمام الشركات والمستثمرين في البلدين.
شراكة استراتيجية بين كندا وتركيا
وكان كارني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد اتفقا خلال اجتماعهما في أنقرة يوم الخميس على إقامة شراكة استراتيجية جديدة تهدف إلى تعزيز التعاون الثنائي في عدد من القطاعات الحيوية.
ومن المتوقع أن تتيح هذه الشراكة توسيع التعاون في مجالي الدفاع والطاقة، فضلًا عن تهيئة الظروف لبدء محادثات بشأن اتفاق للتجارة الحرة خلال الأسابيع المقبلة.
وتأتي هذه الخطوة في إطار توجه كندي أوسع لتنويع الأسواق التجارية وتعزيز العلاقات مع شركاء دوليين جدد، خصوصًا في ظل التوترات التجارية مع الولايات المتحدة والتحديات المرتبطة بالاعتماد الكبير على السوق الأمريكية.
وقال كارني، في بيان مشترك مع أردوغان، إن هدف كندا ليس تحقيق الاكتفاء الذاتي، بل بناء قدرة جماعية على الصمود في مواجهة الأزمات.
وأضاف أن بلاده تعمل على تعميق الشراكات مع الدول التي تعتبرها شركاء موثوقين، بما يتيح خلق فرص جديدة للطرفين، مشيرًا إلى أن تركيا تمثل شريكًا مهمًا في هذا المسار.
من جانبه، وصف أردوغان كارني بأنه «صديق عزيز»، وأشار إلى اعتزامه قيادة وفد من رجال الأعمال الأتراك إلى كندا في المستقبل، في خطوة قد تفتح المجال أمام مزيد من الاتصالات التجارية والاستثمارية بين الشركات في البلدين.
ومن شأن هذه التحركات أن تمنح الجانبين فرصة لاستكشاف مجالات جديدة للتعاون، سواء من خلال زيادة التبادل التجاري أو تعزيز الاستثمارات أو توسيع الروابط في قطاعات النقل والطاقة والصناعات الدفاعية.
تنويع العلاقات التجارية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة
تندرج الزيارة ضمن مساعي الحكومة الكندية إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية الدولية، في وقت تواجه فيه التجارة مع الولايات المتحدة تحديات ناجمة عن الرسوم الجمركية والخلافات حول شروط التبادل التجاري.
وتسعى أوتاوا إلى إيجاد أسواق إضافية أمام الشركات الكندية، بما يقلل من تعرض الاقتصاد المحلي للتقلبات التي قد تنتج عن القرارات التجارية الأمريكية.
ولا يعني هذا التوجه التخلي عن العلاقات الاقتصادية مع واشنطن، بل يهدف، وفق التصريحات الكندية، إلى بناء شبكة أوسع من الشراكات التي تمنح البلاد خيارات إضافية في مجالات التصدير والاستثمار وسلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، يمكن أن تشكل تركيا بوابة مهمة للشركات الكندية الراغبة في توسيع نشاطها في الأسواق الإقليمية، بينما قد تستفيد الشركات التركية من فرص جديدة في السوق الكندية.
ومع ذلك، فإن إطلاق محادثات التجارة الحرة لا يعني التوصل إلى اتفاق نهائي بصورة فورية، إذ ستتطلب المفاوضات بحث تفاصيل تتعلق بالوصول إلى الأسواق وشروط التبادل التجاري والقطاعات التي يمكن أن تستفيد من خفض الحواجز التجارية.
حقوق الإنسان تظل نقطة خلاف
على الرغم من التقارب السياسي والاقتصادي، فإن العلاقات بين كندا وتركيا شهدت في السابق خلافات تتعلق بحقوق الإنسان، ولا تزال هذه المسائل تمثل جانبًا حساسًا في العلاقة بين البلدين.
وتأتي جهود كارني لتعزيز الشراكة مع أنقرة في وقت تواجه فيه تركيا تدقيقًا دوليًا بشأن الإجراءات المتخذة ضد حقوق مجتمع الميم، وهو ملف قد يثير تساؤلات بشأن مدى التوافق بين توسيع التعاون الاقتصادي والمواقف الكندية المعلنة بشأن الحقوق والحريات.
وردًا على أسئلة الصحفيين بشأن التعامل مع دول لا تتشارك بالضرورة القيم الكندية، قال كارني إن «الانخراط لا يعني الموافقة».
وأكد رئيس الوزراء أن كندا أثارت قضايا حقوق الإنسان خلال المناقشات مع المسؤولين الأتراك، لكنه لم يؤكد ما إذا كان قد تناول هذه المسألة مباشرة مع أردوغان.
وتعكس تصريحاته محاولة للفصل بين استمرار الحوار الدبلوماسي والتعاون الاقتصادي من جهة، والمواقف المتعلقة بحقوق الإنسان من جهة أخرى. غير أن توسيع العلاقات سيبقي على الحاجة إلى التعامل مع هذه الملفات، خصوصًا إذا تطورت الشراكة إلى تعاون أعمق في مجالات متعددة.
اتفاق موسع للنقل الجوي وزيادة محتملة في الرحلات المباشرة
وشملت الزيارة أيضًا اجتماعات عقدها كارني في إسطنبول مع عدد من قادة الأعمال وشركات الاستثمار، من بينهم ممثلون عن الخطوط الجوية التركية.
وخلال الزيارة، أضفى مسؤولون كنديون وأتراك طابعًا رسميًا على اتفاق موسع للنقل الجوي بين البلدين، من شأنه أن يتيح زيادة عدد الرحلات المباشرة بينهما بصورة قد تقارب الضعف في نهاية المطاف.
وقد يسهم توسيع خدمات النقل الجوي في تسهيل حركة المسافرين ورجال الأعمال، وتعزيز الروابط السياحية والتجارية، فضلًا عن دعم العلاقات بين الشركات والمؤسسات في البلدين.
ويأتي هذا التطور إلى جانب التفاهمات المتعلقة بالدفاع والطاقة والتجارة، ليشكل جزءًا من مسار أوسع يهدف إلى جعل العلاقة الكندية التركية أكثر تنوعًا واتساعًا.
وبينما غادر كارني تركيا عائدًا إلى أوتاوا، تظل الخطوة التالية مرتبطة بترجمة التفاهمات السياسية إلى مفاوضات عملية ومشروعات قابلة للتنفيذ.
وستكون المحادثات المرتقبة بشأن التجارة الحرة، إلى جانب متابعة اتفاق النقل الجوي وتوسيع التعاون الاقتصادي، من أبرز المؤشرات على مدى قدرة البلدين على تحويل الشراكة الاستراتيجية الجديدة إلى نتائج ملموسة.