هلا كندا – تورونتو – 7 نوفمبر 2026 – أثارت قضية ترقية ضابطة في شرطة مقاطعة أونتاريو (OPP) جدلاً بشأن المساءلة والانضباط داخل الأجهزة الأمنية.
بعدما كشفت تقارير صحفية أنها حصلت على رتبة أعلى وزيادة سنوية في راتبها، بعد فترة قصيرة من تورطها في حادث دهس أودى بحياة شاب يبلغ من العمر 25 عاماً.
وكانت الضابطة ريبيكا ليندسي تقود سيارة شرطة غير مميزة عندما صدمت الشاب نوح لاندريولت (Noah Landriault) في بلدة بالا بمنطقة موسكوكا، شمال تورونتو، يوم 29 سبتمبر 2024.
وأظهرت التحقيقات أن الضابطة كانت تسير بسرعة تتجاوز الحد المسموح به بنحو 25 كيلومتراً في الساعة، داخل منطقة مصنفة باعتبارها منطقة للسلامة المجتمعية.
ورغم أن وحدة التحقيقات الخاصة في أونتاريو (SIU) لم تجد أسباباً كافية لتوجيه اتهامات جنائية إليها، فقد خلص تحقيق إداري منفصل إلى ارتكابها مخالفة مهنية، وعوقبت بالتنازل عن أجر 40 ساعة عمل.
لكن المفاجأة التي أثارت غضب عائلة الضحية تمثلت في حصول الضابطة على ترقية من رتبة محققة شرطية إلى رتبة رقيب محقق خلال عام 2024، أي بعد أقل من ثلاثة أشهر من الحادث، وقبل صدور القرار النهائي بشأن المخالفة المهنية.
حادث مميت قبل السادسة صباحاً في موسكوكا
وقعت الحادثة قبيل الساعة السادسة صباح يوم 29 سبتمبر 2024، عندما كان نوح لاندريولت يعبر طريق Muskoka Road 169 في بلدة بالا، برفقة شخص آخر.
وكان الشاب قد غادر مع مرافقه فندق Bala Bay Inn، قبل أن يحاولا عبور الطريق في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، كانت المحققة ريبيكا ليندسي تقود سيارة جيب تابعة لشرطة أونتاريو، دون علامات شرطية ظاهرة، متجهة شمالاً إلى مهمة عمل مؤقتة.
وأظهرت نتائج إعادة بناء الحادث أن السيارة كانت تسير بسرعة تراوحت بين 70 و75 كيلومتراً في الساعة، رغم أن الحد القانوني في المنطقة يبلغ 50 كيلومتراً في الساعة.
كما أشار التحقيق إلى أن الطريق كان جافاً ومستوياً ومضاءً، دون عوائق واضحة تعيق الرؤية.
وعندما ظهر الشاب أمام المركبة، حاولت الضابطة استخدام المكابح بقوة، لكن المسافة المتبقية لم تكن كافية لتجنب الاصطدام.
وتوقفت ليندسي بعد الحادث وقدمت المساعدة الأولية، فيما جرى استدعاء خدمات الطوارئ.
ونُقل لاندريولت إلى المستشفى، حيث أُعلنت وفاته متأثراً بالإصابات التي تعرض لها.
وأدى الحادث إلى فتح تحقيق من وحدة التحقيقات الخاصة، وهي الجهة المستقلة المسؤولة عن التحقيق في الحوادث الخطيرة المرتبطة بتصرفات أفراد الشرطة في أونتاريو.
لماذا لم تواجه الضابطة اتهامات جنائية؟
درست وحدة التحقيقات الخاصة ظروف التصادم، بما في ذلك سرعة السيارة وموقع المشاة وطبيعة الطريق وتصرفات الضابطة قبل الحادث وبعده.
وخلصت الوحدة إلى عدم وجود أسباب معقولة لتوجيه اتهام بالقيادة الخطرة المسببة للوفاة، وفق المعايير المنصوص عليها في القانون الجنائي الكندي.
ورغم أن تجاوز السرعة القانونية كان عاملاً مهماً في التحقيق، فإن الوحدة لم تعتبر الأدلة كافية لإثبات مستوى الخطورة المطلوب لتوجيه اتهام جنائي.
ويعتمد تقييم المسؤولية الجنائية عن القيادة الخطرة على مجمل ظروف الواقعة، وليس مجرد وقوع حادث مميت أو تجاوز الحد القانوني للسرعة.
كما أن قرار عدم توجيه اتهامات جنائية لا يعني بالضرورة أن سلوك السائق كان مطابقاً لجميع القواعد المهنية أو المرورية.
ولهذا استمرت إجراءات منفصلة للنظر في ما إذا كانت الضابطة قد خالفت معايير السلوك الخاصة بالعمل الشرطي.
ويُعد الفصل بين المسؤولية الجنائية والمساءلة المهنية جانباً أساسياً في القضية، خصوصاً أن نتيجتي التحقيقين جاءتا مختلفتين.
عقوبة تعادل 2370 دولاراً فقط
توصلت وكالة شكاوى إنفاذ القانون في أونتاريو (LECA) إلى أن الضابطة ارتكبت مخالفة مهنية بسبب قيادتها بسرعة أعلى من المسموح بها.
وخلصت الجهة المختصة إلى أن طريقة القيادة لم تتوافق مع المعايير المهنية المتعلقة بسلامة الأفراد والحفاظ على ثقة الجمهور في الشرطة.
وبناء على ذلك، فُرضت على ليندسي عقوبة تتمثل في التنازل عن أجر 40 ساعة عمل.
ووفق الحسابات المستندة إلى اتفاقية الأجور المنشورة لشرطة أونتاريو، تعادل العقوبة نحو 2370 دولاراً كندياً.
لكن العقوبة المالية أصبحت محور جدل إضافي بعد الكشف عن أن الضابطة حصلت على ترقية تتضمن زيادة سنوية في الراتب تبلغ نحو 6300 دولار.
وتعني المقارنة أن قيمة الزيادة السنوية المرتبطة بالرتبة الجديدة تتجاوز العقوبة المالية بنحو 3930 دولاراً.
ومع ذلك، فإن هذين المبلغين مختلفان من الناحية الإدارية، إذ تمثل العقوبة خصماً لمرة واحدة، بينما ترتبط الزيادة بتغيير الرتبة الوظيفية.
ولا توجد معلومات منشورة تثبت أن الترقية مُنحت مكافأةً للضابطة بسبب الحادث، لكن توقيتها أثار اعتراضات عائلة الضحية والمدافعين عن السلامة المرورية.
والدة الضحية: الترقية كانت طعنة جديدة في القلب
أعربت كورينا جونز (Coreena Jones)، والدة الشاب المتوفى، عن غضبها الشديد من طريقة التعامل مع القضية، معتبرة أن العقوبة المفروضة على الضابطة لا تتناسب مع فداحة الخسارة التي تعرضت لها عائلتها.
وقالت إن معرفة أن العقوبة اقتصرت على 40 ساعة من الأجر كانت مؤلمة للغاية، وإن حصول الضابطة على ترقية بعد الحادث زاد من معاناة الأسرة.
وأوضحت أن ابنها لم يكن مجرد ضحية في تقرير مروري، بل شاباً لديه عائلة وأصدقاء ومستقبل انتهى بصورة مأساوية.
وكان نوح، المنحدر من مدينة ميدلاند في أونتاريو، لاعباً موهوباً في رياضة اللاكروس، وفق ما ذكرته والدته.
وترى جونز أن ترقية موظف شرطي بعد التورط في حادث مميت، رغم ثبوت مخالفة مهنية مرتبطة بالقيادة، تثير تساؤلات بشأن المعايير التي تعتمدها المؤسسة الأمنية في تقييم موظفيها.
كما دعت إلى مراجعة نظام الترقيات لضمان أن تؤخذ الحوادث الخطيرة والسجلات المتعلقة بالسلامة في الاعتبار قبل اتخاذ قرارات التقدم الوظيفي.
شرطة أونتاريو ترد على الانتقادات
من جانبها، أعربت شرطة مقاطعة أونتاريو عن تعازيها لعائلة الضحية، ووصفت الواقعة بأنها حادث خطير ومأساوي.
وأكدت الشرطة أن التحقيق المستقل لم يسفر عن توجيه اتهامات جنائية إلى ليندسي، وأن الإجراءات التأديبية اتُّخذت وفق التشريعات المعمول بها.
لكن المتحدث باسم الشرطة، الرقيب جو بريزبوا، لم يقدم تفسيراً مباشراً بشأن أسباب ترقية الضابطة أو توقيت اتخاذ القرار.
واكتفى بالإشارة إلى أن السجل التأديبي لأي موظف يُؤخذ في الاعتبار ضمن التقييم الداخلي الشامل للمرشحين للمناصب الجديدة.
بدورها، أوضحت جمعية شرطة مقاطعة أونتاريو، التي تمثل مصالح أفراد الجهاز، أن المسؤولية الجنائية والمخالفات المهنية والقرارات الوظيفية تخضع لمسارات مستقلة، ولكل منها إجراءات ومعايير مختلفة.
منظمات السلامة المرورية تطالب بتغيير قواعد الترقية
لم تقتصر الانتقادات على أسرة الضحية، إذ أعرب مدافعون عن سلامة الطرق عن قلقهم من تأثير مثل هذه القرارات على ثقة المواطنين بالأجهزة الأمنية.
واعتبرت جيس سبيكر (Jess Spieker)، من منظمة Friends and Families for Safe Streets، أن السجل المرتبط بالسلامة المرورية ينبغي أن يحظى بأهمية أكبر عند تقييم أهلية الضباط للحصول على ترقيات.
وأثارت تساؤلات بشأن المعايير التي تسمح بترقية موظف بعد التورط في حادث مميت، حتى عندما لا تؤدي التحقيقات إلى توجيه اتهامات جنائية.
وتشير هذه الانتقادات إلى وجود نقاش يتجاوز الواقعة الفردية، ويتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين الحقوق الوظيفية لأفراد الشرطة ومتطلبات المساءلة والثقة العامة.
كما أعادت القضية تسليط الضوء على واقعة أخرى تعود إلى عام 2020، عندما تعرضت شرطة أونتاريو لانتقادات بشأن تصنيف مخالفة مرتبطة بحادث مروري مميت أودى بحياة تايلر دورزيك.
وكانت محكمة أونتاريو العليا قد انتقدت لاحقاً طريقة التعامل مع تصنيف المخالفة، معتبرة أن القرار الإداري لم يقدم مبررات كافية لتقييم خطورة السلوك.
