هلا كندا – تورونتو – الجمعة 23 أكتوبر 2026 – كشف تقرير حديث صادر عن منظمة «هابيتات من أجل الإنسانية» أن الكنديين يتصدرون دول العالم من حيث التشاؤم بشأن إمكانية امتلاك منزل.
في مؤشر يعكس حجم أزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن في البلاد، والصعوبات التي تواجهها شرائح واسعة من السكان لتحقيق أحد الأهداف المالية الرئيسية في حياتهم.
واستند التقرير إلى استطلاع شمل أكثر من 30 ألف شخص في 22 دولة، من بينها الأرجنتين وأيرلندا وكوريا الجنوبية، بهدف التعرف إلى نظرة الأفراد لمستقبل السكن ومدى قدرتهم على امتلاك منزل في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
ووفقًا للنتائج، فإن 56 في المائة من الكنديين الذين لا يمتلكون منزلًا لا يتوقعون امتلاك واحد في المستقبل، وهي نسبة تتجاوز بأكثر من الضعف المتوسط العالمي البالغ 23 في المائة.
كما تشير النتائج إلى أن مستوى التشاؤم في كندا يفوق ما سُجل لدى المشاركين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا مجتمعة، بحسب التقرير.
وجاء في التقرير أن المخاوف بشأن امتلاك منزل مستقبلًا تتركز بصورة أكبر في الدول المتقدمة، مضيفًا أن كندا تسجل أعلى مستويات القلق ضمن هذا الاتجاه.
وتسلط هذه النتائج الضوء على الفجوة المتزايدة بين أهمية امتلاك منزل بالنسبة إلى الاستقرار المالي والعائلي، وبين الواقع الذي يواجهه كثير من الكنديين، خصوصًا أولئك الذين لم يدخلوا سوق العقارات بعد.
ارتفاع الأسعار وضعف الدخل يعوقان امتلاك المنازل
وتوضح نتائج الاستطلاع أن القدرة على تحمل تكاليف السكن تمثل العائق الأساسي أمام الكنديين الذين لا يمتلكون عقارات، إذ تتداخل أسعار المنازل المرتفعة مع مستويات الدخل والقدرة على ادخار المبالغ المطلوبة للدفعة الأولى.
وقال 54 في المائة من المشاركين الكنديين الذين لا يمتلكون منزلًا إن أسعار العقارات مرتفعة للغاية، بينما أشار 50 في المائة إلى أن دخلهم لا يكفي لشراء منزل.
وأفاد 41 في المائة بأنهم لا يملكون مدخرات كافية لتغطية الدفعة الأولى اللازمة لإتمام عملية الشراء.
وتكشف هذه الأرقام أن المشكلة لا ترتبط بعامل واحد، بل بمجموعة من الضغوط المالية التي تجعل دخول سوق العقارات أمرًا صعبًا بالنسبة إلى كثير من الأسر.
فحتى الأشخاص الذين يحققون دخلًا منتظمًا قد يجدون صعوبة في تخصيص جزء كافٍ من أموالهم للادخار، خصوصًا عندما تستحوذ تكاليف الإيجار والفواتير والنفقات اليومية على نسبة كبيرة من ميزانياتهم.
وتُعد الدفعة الأولى إحدى العقبات الرئيسية أمام المشترين الجدد، إذ يتطلب جمعها فترة طويلة من الادخار.
وقد يصبح تحقيق هذا الهدف أكثر صعوبة عندما ترتفع نفقات المعيشة أو لا تنمو الأجور بالسرعة نفسها التي ترتفع بها تكاليف السكن.
وبالنسبة إلى الأشخاص الذين يدفعون إيجارات شهرية مرتفعة، قد تتحول عملية الادخار إلى تحدٍ مستمر، لأن المبلغ الذي يمكن تخصيصه لشراء منزل يتراجع كلما ارتفعت النفقات الضرورية الأخرى.
تكاليف السكن تدفع الكنديين إلى تقليص نفقاتهم
ولا تقتصر تداعيات أزمة السكن على الأشخاص الذين يحاولون شراء منزل للمرة الأولى، بل تمتد إلى المستأجرين والأسر التي تكافح لتغطية تكاليف إقامتها الحالية.
وبحسب التقرير، اضطر 66 في المائة من الكنديين إلى تقديم تضحية مالية واحدة على الأقل خلال العام الماضي من أجل تحمل نفقات السكن، بما يشمل الإيجار والتكاليف المرتبطة به.
وتشير هذه النسبة إلى أن ضغوط السكن باتت تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الأسر على الإنفاق على احتياجات أخرى، بما في ذلك الغذاء والأنشطة الاجتماعية والادخار للطوارئ.
وأفاد 36 في المائة من المشاركين بأنهم أنفقوا مبالغ أقل على الطعام أو مشتريات البقالة بسبب تكاليف السكن.
كما قال 25 في المائة إنهم اضطروا إلى استخدام مدخراتهم أو الأموال المخصصة لحالات الطوارئ لتغطية النفقات.
وفي الوقت نفسه، ذكر 40 في المائة أنهم قلصوا الإنفاق على الأنشطة الاجتماعية من أجل الوفاء بالمدفوعات الشهرية.
وتعكس هذه النتائج كيفية تأثير تكاليف السكن في تفاصيل الحياة اليومية، إذ لا يقتصر الأمر على تأجيل شراء منزل أو الاستمرار في الإيجار، بل قد يضطر الأفراد إلى إعادة ترتيب أولوياتهم المالية والتخلي عن بعض الأنشطة أو الاحتياجات لتجنب التأخر في سداد التزاماتهم.
كما أن استخدام مدخرات الطوارئ لتغطية النفقات الاعتيادية قد يترك الأسر أكثر عرضة للصدمات المالية غير المتوقعة، مثل فقدان الوظيفة أو مواجهة فاتورة طبية أو الحاجة إلى إصلاحات منزلية عاجلة.
وتأتي هذه المؤشرات في وقت تواجه فيه بنوك الطعام في كندا طلبًا متزايدًا على خدماتها. ووفقًا للمعلومات الواردة في التقرير المنشور، سجلت بنوك الطعام في البلاد رقمًا قياسيًا بلغ 2.35 مليون زيارة شهرية خلال عام 2026.
وهو ما يسلط الضوء على الصعوبات التي تواجهها بعض الأسر في توفير الاحتياجات الأساسية.
الشباب يشعرون بضغط متزايد بسبب أزمة السكن
وتبدو المخاوف بشأن السكن أكثر وضوحًا لدى الفئات الشابة، التي تواجه تحديات تتعلق بارتفاع الأسعار وصعوبة الادخار وعدم اليقين بشأن قدرتها على الاستقرار مستقبلًا.
وأظهر الاستطلاع أن 46 في المائة من الكنديين الشباب يعتبرون وضعهم السكني أحد أكبر مصادر التوتر في حياتهم، مقارنة بـ35 في المائة من المشاركين في بقية دول العالم.
وتشير هذه الفجوة إلى أن الضغوط السكنية في كندا لا تتعلق فقط بالقدرة على الشراء، بل تمتد أيضًا إلى الشعور بالأمان والاستقرار وإمكانية التخطيط للمستقبل.
فامتلاك منزل قد يرتبط لدى كثيرين بتكوين أسرة أو الاستقرار في مدينة معينة أو التخطيط للتقاعد، لكن ارتفاع التكاليف يمكن أن يؤجل هذه القرارات أو يجعلها تبدو بعيدة المنال.
كما أن تأجيل شراء منزل قد يؤثر في خطط الشباب المالية على المدى الطويل، إذ يضطر بعضهم إلى الاستمرار في دفع الإيجار بدلًا من توجيه جزء من دخله إلى امتلاك عقار، في حين يحاول آخرون زيادة مدخراتهم أو البحث عن مساكن أقل تكلفة.
وقال التقرير إن نتائج كندا تكشف عن فجوة كبيرة بين الاستقرار السكني الذي يتمتع به الأشخاص في الوقت الحالي وثقتهم في المستقبل.
مشيرًا إلى أن كثيرًا من الكنديين يعيشون بهامش مالي ضيق لا يسمح لهم بمواجهة الأخطاء أو النفقات غير المتوقعة، وهو ما يزيد من تشاؤمهم بشأن السنوات المقبلة.
المشترون يتوقعون تأجيل امتلاك المنزل حتى سن 41
ولا يقتصر تأجيل امتلاك المنازل على الأشخاص الذين فقدوا الأمل في الشراء، إذ تشير دراسة منفصلة صادرة عن بنك «رويال بنك أوف كندا» إلى أن الكنديين الذين يخططون لدخول سوق العقارات لا يتوقعون شراء منازلهم قبل بلوغ سن 41 عامًا على الأقل.
ويختلف هذا التوقع بصورة واضحة عن تجربة أصحاب المنازل الحاليين، الذين اشتروا عقاراتهم الأولى في المتوسط عند سن 29 عامًا، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير.
ويعكس هذا الفارق تغير الظروف التي يواجهها المشترون الجدد مقارنة بمن دخلوا السوق في فترات سابقة. فالأشخاص الذين يسعون حاليًا إلى شراء منزل قد يحتاجون إلى سنوات إضافية لتجميع الدفعة الأولى، أو زيادة دخلهم، أو العثور على عقار يتناسب مع إمكاناتهم المالية.
كما أن تأجيل الشراء إلى بداية الأربعينيات لا يعني بالضرورة أن جميع الأشخاص سيتمكنون من امتلاك منزل عند ذلك العمر، بل يوضح أن التوقعات الزمنية لدى الراغبين في الشراء أصبحت أطول مما كانت عليه لدى أصحاب المنازل الحاليين.
وفي ظل هذه الظروف، يجد بعض الكنديين أنفسهم أمام خيارات صعبة، تشمل مواصلة الإيجار، أو الانتقال إلى مناطق أبعد عن مراكز العمل، أو البحث عن منازل أصغر، أو تأجيل خطط الشراء إلى أجل غير محدد.
وتبقى تجربة كل أسرة مختلفة بحسب دخلها ومدخراتها ومكان إقامتها والتزاماتها المالية، إلا أن نتائج الاستطلاع تشير إلى أن العقبات المشتركة أصبحت كافية لدفع نسبة كبيرة من غير المالكين إلى التشكيك في إمكانية امتلاك منزل مستقبلًا.
أزمة تتجاوز العقارات إلى الاستقرار المالي والاجتماعي
وتكشف نتائج التقرير عن أزمة تتجاوز مسألة أسعار المنازل وحدها، إذ ترتبط القدرة على امتلاك عقار بمدى قدرة الأسر على تغطية نفقاتها الأساسية وبناء مدخرات والحفاظ على هامش مالي يسمح لها بالتعامل مع الطوارئ.
فحين يضطر الأفراد إلى تقليص مشتريات الطعام أو استخدام أموال الطوارئ أو التخلي عن الأنشطة الاجتماعية لتغطية تكاليف السكن، تصبح الأزمة جزءًا من حياتهم اليومية، وليس مجرد عقبة أمام شراء منزل.
كما أن ارتفاع نسبة الأشخاص الذين لا يتوقعون امتلاك منزل يثير تساؤلات بشأن توقعات الأجيال الشابة حول الاستقرار على المدى الطويل، خصوصًا مع اتساع الفجوة بين تكلفة العقارات والموارد المالية المتاحة للمشترين الجدد.