هلا كندا – كشف فريق دولي من علماء الفلك عن بنية غامضة تحيط بقزم أبيض يُعرف باسم J1328−1450، وهو نواة نجم قديم كان يشبه الشمس قبل أن يستنفد وقوده ويتخلص من طبقاته الخارجية.
وأظهرت الملاحظات أن الحطام المحيط بالنجم لا يتوزع في قرص واحد متصل، كما هو مألوف في بعض الأنظمة المشابهة، بل يشكل حلقتين منفصلتين تتوسطهما فجوة واضحة.
ويعتقد الباحثون أن جرمين كوكبيين قد يكونان مسؤولين عن الحفاظ على هذا الترتيب غير المعتاد، ما يفتح المجال أمام فهم جديد لكيفية تطور الأنظمة الكوكبية بعد موت نجومها.
ونُشرت نتائج الدراسة في المجلة العلمية Nature Astronomy، وفقًا لما أورده تقرير نشرته RT عربية.
حلقتان غامضتان حول بقايا نجم شبيه بالشمس
تتمثل أبرز نتائج الدراسة في اكتشاف حلقتين من المواد المحيطة بالقزم الأبيض، بدلًا من وجود قرص حطام ذي بنية بسيطة.
وتتكون هذه المواد من الغاز والغبار وبقايا أجسام كوكبية يُعتقد أنها تعرضت للتدمير خلال المراحل الأخيرة من حياة النجم.
وأثارت الفجوة الفاصلة بين الحلقتين اهتمام العلماء، خصوصًا أن البنية تبدو مستقرة رغم الظروف المعقدة المحيطة بالنجم الميت.
وقال نيكولا جنتيلي فوزيلو، الباحث في المرصد الفلكي الوطني الإيطالي والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن النظام يقدم صورة نادرة عن النهاية العنيفة التي قد تواجه الأنظمة الكوكبية.
وأشار إلى أن النجوم الميتة قد تكون محاطة بهياكل من الحطام أكثر تعقيدًا مما كان معروفًا في السابق.
ويمنح هذا الاكتشاف الباحثين فرصة لدراسة تأثير الأجرام المتبقية في توزيع المواد التي تدور حول الأقزام البيضاء.
جرمان بحجم كويكب والقمر قد يكونان نجوا
يرجح الباحثون أن وجود جرمين شبيهين بالكواكب يساعد على تفسير الشكل المميز للحلقتين.
ويُعتقد أن أحد الجرمين مشابه لكويكب من حيث الحجم، بينما قد يكون الآخر بحجم القمر.
ووفقًا للتفسير الذي طرحه العلماء، يمكن للتأثيرات الجاذبية لهذين الجرمين أن تسهم في الحفاظ على الفجوة بين الحلقتين وتنظيم حركة المواد المحيطة بالنجم.
لكن وجود الجرمين بهذا التكوين لا يزال تفسيرًا علميًا للملاحظات، وليس دليلًا على رصدهما مباشرة.
وأوضح جنتيلي فوزيلو أن الدراسة تقدم ما وصفه بأول مثال على نظام معقد يجمع بين قرص حطام مزدوج وجرمين كوكبيين يُعتقد أنهما نجوا من المراحل الأخيرة لحياة النجم.
وتشير هذه النتيجة إلى أن موت النجوم لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء جميع الأجرام التي كانت تدور حولها.
لماذا أثار الاكتشاف اهتمام العلماء؟
قال فيليبي لاغوس-فيلتشيس، عالم الفلك في جامعة وارويك بالمملكة المتحدة، إن الشكل غير المعتاد للحلقتين الغازيتين يثير فضول الباحثين.
وأوضح أن ما يجعل هذا النظام مثيرًا للاهتمام هو استقرار الحلقتين، إلى جانب استمرار وجود فجوة واضحة تفصل بينهما.
وتساعد دراسة مثل هذه البنى على فهم كيفية تفاعل الحطام مع الأجرام التي قد تبقى حول النجوم بعد انتهاء مراحل نشاطها الرئيسية.
كما يمكن أن تقدم معلومات عن مصير الكواكب والكويكبات عندما يتغير حجم النجم المركزي ويفقد جزءًا كبيرًا من طبقاته الخارجية.
وتكتسب هذه الأبحاث أهمية إضافية لأن الشمس نفسها ستشهد تحولات مشابهة في المستقبل البعيد.
عناصر كيميائية تكشف طبيعة الكواكب المدمرة
لم يقتصر الاكتشاف على شكل الحلقات، إذ رصد العلماء أيضًا عناصر كيميائية داخل قرص الحطام المحيط بالنجم.
وشملت هذه العناصر الكالسيوم والأكسجين والمغنيسيوم، وهي مواد توجد كذلك في الأجسام الصخرية داخل نظامنا الشمسي.
ويرى الباحثون أن وجود هذه العناصر يشير إلى أن بعض الأجرام التي كانت تدور حول النجم امتلكت تركيبًا كيميائيًا مشابهًا لمكونات كواكب وأجسام صخرية معروفة.
وتساعد هذه الأدلة على إعادة تصور طبيعة النظام الكوكبي القديم، رغم أن كثيرًا من أجرامه الأصلية لم يعد موجودًا بالشكل الذي كانت عليه.
ومع ذلك، فإن التشابه الكيميائي لا يعني أن النظام كان نسخة مطابقة لنظامنا الشمسي، بل يدل على وجود مواد مشتركة بينهما.
ماذا سيحدث للأرض عندما تتحول الشمس إلى عملاق أحمر؟
تشير المعرفة الفلكية الحالية إلى أن الشمس ستواصل تطورها خلال مليارات السنين المقبلة، قبل أن تصل إلى مرحلة العملاق الأحمر.
وخلال هذه المرحلة، ستتمدد طبقاتها الخارجية بصورة كبيرة مع تغير العمليات التي تنتج الطاقة داخلها.
وقد يؤدي هذا التمدد إلى تدمير الأرض أو ابتلاعها، في حين يمكن لبعض الأجرام الموجودة على مسافات أكبر أن تنجو.
وبعد ذلك، ستفقد الشمس طبقاتها الخارجية، وتبقى نواتها الكثيفة على شكل قزم أبيض.
ومن الممكن أن تحيط بهذه النواة بقايا كواكب وكويكبات تعرضت للتفكك أو تغيرت مداراتها خلال التحولات التي شهدها النظام الشمسي.
ولا تعني دراسة J1328−1450 أن العلماء حددوا بصورة نهائية ما سيحدث للأرض، لكنها تقدم مثالًا واقعيًا على بعض العمليات التي يمكن أن ترافق نهاية نجم يشبه الشمس.
هل يمكن أن تنجو بعض كواكب النظام الشمسي؟
يشير النظام المكتشف إلى أن بعض الأجرام قد تستمر في الوجود حتى بعد مرور نجمها بتحولات عنيفة.
وقد تساعد جاذبية الأجسام الناجية على تشكيل حلقات من الحطام أو الحفاظ على الفجوات الموجودة بينها.
ويرى لاغوس-فيلتشيس أن هذه الملاحظات تقدم لمحة مهمة عن مستقبل الأنظمة الكوكبية، بما في ذلك نظامنا الشمسي.
وتبرز أهمية الدراسة في أنها توسع فهم العلماء لما يحدث بعد انتهاء حياة النجوم، وتكشف أن بقايا الأنظمة الكوكبية قد تحتفظ ببنى معقدة لفترات طويلة.
وبينما لا يزال المصير النهائي للأرض مرتبطًا بتطور الشمس خلال مليارات السنين المقبلة، فإن دراسة النجوم الميتة تمنح الباحثين أدلة تساعدهم على تصور تلك المراحل البعيدة.