هلا كندا – أوتاوا – الأربعاء 28 أكتوبر 2026 – تتجه المنافسة على البنية التحتية الرقمية إلى أعماق المحيط الأطلسي، مع سعي شركة «بولك إنفراستركتشر» النرويجية إلى تطوير كابل اتصالات بحري يربط النرويج بكندا عبر مسار يتجنب المرور بالأراضي الأمريكية، في خطوة تهدف إلى تنويع طرق نقل البيانات وتعزيز مرونة الاتصالات بين أوروبا وأمريكا الشمالية.
ويأتي المشروع المقترح، الذي يحمل اسم «ليف إريكسون» (Leif Erikson)، في وقت تتزايد فيه أهمية الكابلات البحرية باعتبارها أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الرقمي العالمي، خصوصًا مع التوسع في الحوسبة السحابية ومراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تتطلب نقل كميات ضخمة من المعلومات بين القارات.
لكن المشروع لا يزال في مرحلة التطوير والتخطيط، ويحتاج إلى استكمال التمويل واستقطاب الشركاء والحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة. ولذلك، فإن قدرته على إحداث تغيير ملموس في أمن الاتصالات الكندية واستقلالها الرقمي ستعتمد على تنفيذه الفعلي ودخوله الخدمة، وليس على المسار الجغرافي المقترح وحده.
مسار مباشر بين شمال أوروبا وشرق كندا
بحسب المعلومات المنشورة عن المشروع، يُتوقع أن يمتد الجزء البحري من الكابل لمسافة تقارب 4600 كيلومتر، انطلاقًا من جنوب النرويج وصولًا إلى منطقة هابي فالي-غوس باي في مقاطعة نيوفاوندلاند ولابرادور شرقي كندا.
ومن هناك، يُخطط لربط المسار البحري بشبكة برية تمتد لنحو 1900 كيلومتر باتجاه مونتريال، ما يجعل الطول الإجمالي للمسار البحري والبري قرابة 6500 كيلومتر.
ويتيح هذا التصميم إنشاء طريق إضافي لنقل البيانات بين شمال أوروبا وكندا، دون الحاجة إلى عبور الأراضي الأمريكية ضمن المسار المقترح نفسه. وقد يوفر ذلك خيارًا جديدًا لشركات الاتصالات والمؤسسات التي تبحث عن تنويع مسارات الاتصال الدولي وتقليل الاعتماد على عدد محدود من الوصلات.
وتختلف الأرقام الحالية عن التقديرات الأولية التي أعلنتها الشركة في عام 2021، عندما تحدثت عن كابل بحري يبلغ طوله نحو 4200 كيلومتر، وهو ما يعكس تطور تفاصيل التخطيط للمشروع منذ طرح فكرته.
ومع ذلك، فإن تجنب الأراضي الأمريكية لا يعني بالضرورة أن جميع البيانات المنقولة عبر الكابل ستكون منفصلة عن الشبكات أو الخدمات الأمريكية؛ إذ يمكن أن تتصل البيانات لاحقًا بشبكات أخرى، بحسب مزودي الخدمة ومواقع مراكز البيانات والمنصات التي يستخدمها العملاء.
لماذا تبحث كندا عن مسارات بديلة؟
يرتبط أحد الأهداف الرئيسية للمشروع برغبة كندا في تنويع البنية التحتية التي تعتمد عليها للاتصال بالإنترنت العالمي. فقد سلطت تقارير صحفية الضوء على اعتماد جزء كبير من حركة البيانات الكندية على شبكات تمر عبر الولايات المتحدة أو ترتبط ببنيتها التحتية، وهو ما يثير تساؤلات بشأن قدرة الاتصالات على الاستمرار في حال تعرض بعض المسارات لأعطال أو اضطرابات أو قيود.
وتكتسب هذه المسألة أهمية في ظل التوترات السياسية والتجارية بين واشنطن وأوتاوا، إلى جانب الاهتمام المتزايد لدى الحكومات بتأمين البنية التحتية الحيوية وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مسارات اتصال محدودة.
وطرح مؤسس شركة «بولك إنفراستركتشر» ورئيسها التنفيذي المشارك، بيدر نيربو، المشروع باعتباره جزءًا من توجه نحو بناء شبكة اتصالات تمنح كندا اتصالًا مباشرًا بالبنية التحتية الأوروبية، وتتيح لها خيارات إضافية لنقل البيانات عبر الأطلسي.
لكن هذه الرؤية لا تعني أن المشروع سيحقق استقلالًا رقميًا كاملًا عن الولايات المتحدة. فتنويع طرق نقل البيانات يمثل جانبًا واحدًا من منظومة أوسع تشمل مراكز البيانات والخدمات السحابية وأنظمة التشغيل والأمن السيبراني والجهات التي تدير الشبكات.
ما علاقة المشروع بالذكاء الاصطناعي؟
تتطلب تطبيقات الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق بنية تحتية قادرة على التعامل مع كميات كبيرة من البيانات، سواء أثناء تدريب النماذج أو تشغيلها أو تبادل المعلومات بين مراكز الحوسبة المختلفة.
وتعتمد هذه المنظومة على مراكز بيانات تضم معالجات متخصصة وأنظمة تخزين وشبكات اتصالات عالية السعة، ما يجعل توافر مسارات دولية إضافية عاملًا مهمًا في تخطيط البنية التحتية الرقمية.
وتقول الشركة المطورة إن مشروع «ليف إريكسون» يستهدف تلبية احتياجات قطاعات الاتصالات والذكاء الاصطناعي والحوسبة واسعة النطاق، مع ربط المشروع بوفرة الطاقة المتجددة في كل من النرويج وكندا.
وتقوم الفكرة على الجمع بين اتصال دولي إضافي وإمكانية الاستفادة من مصادر الكهرباء المتجددة في البلدين، بما قد يدعم تطوير بنية تحتية رقمية تلبي الطلب المتنامي على خدمات الحوسبة.
غير أن وجود كابل جديد لا يضمن تلقائيًا انخفاض تكاليف الذكاء الاصطناعي أو جذب استثمارات جديدة في مراكز البيانات. فهذه النتائج تعتمد أيضًا على أسعار الكهرباء، وتوافر الأراضي والتجهيزات، والقدرات الحاسوبية، والطلب التجاري، ومدى استعداد الشركات لاستخدام المسار الجديد.
السيادة الرقمية لا تعني الحماية المطلقة
تُعد الكابلات البحرية من أهم مكونات الإنترنت العالمي، إذ تنقل البيانات بين القارات عبر الألياف الضوئية الموضوعة في قاع البحار والمحيطات. ويساعد تنويع هذه الكابلات على تقليل الاعتماد على مسار واحد، كما يوفر بدائل عند تعطل الوصلات بسبب الأضرار المادية أو الأعطال التقنية.
وفي هذا السياق، قد يمنح مشروع «ليف إريكسون» كندا خيارًا إضافيًا للاتصال بأوروبا، ويزيد من مرونة الشبكات في حال حدوث اضطرابات في بعض المسارات القائمة.
لكن عبور البيانات عبر كابل لا يمر بالولايات المتحدة لا يكفي وحده لضمان حمايتها من جميع أشكال الوصول غير المصرح به أو المراقبة. إذ تتأثر حماية البيانات أيضًا بالتشفير، وآليات إدارة الشبكة، ومواقع تخزين المعلومات، والقوانين التي تخضع لها الخدمات المستخدمة.
وقد تصل البيانات المنقولة عبر الكابل إلى منصات سحابية أو شبكات أمريكية بعد دخولها كندا، إذا اختارت المؤسسات أو المستخدمون تلك الخدمات. لذلك، فإن تعزيز السيادة الرقمية يتطلب إلى جانب تنويع الكابلات الاستثمار في البنية التحتية المحلية، وتأمين البيانات، وتوسيع خيارات الحوسبة والتخزين.
تكلفة تتجاوز 620 مليون دولار
تشير التقارير المنشورة إلى أن التكلفة المتوقعة للمشروع تتجاوز 620 مليون دولار، فيما تسعى الشركة إلى استقطاب شريك كندي يمتلك حصة أغلبية، إلى جانب تأمين التمويل والعملاء اللازمين لدعم الاستثمار.
وتشمل التحديات المرتبطة بالتنفيذ استكمال الدراسات البحرية ومسوح قاع المحيط، وتحديد المسار الأنسب للكابل، وتقييم المخاطر الجيولوجية والبيئية، فضلًا عن تنفيذ الوصلة البرية الطويلة داخل كندا.
كما يتطلب المشروع الحصول على التصاريح التنظيمية اللازمة للأجزاء البحرية والبرية، والتنسيق بين الجهات المعنية في كندا وأوروبا، إلى جانب معالجة المسائل المرتبطة باستخدام الأراضي والتشاور مع مجتمعات السكان الأصليين التي قد تتأثر بالبنية التحتية البرية.
وحتى في حال تأمين التمويل والحصول على الموافقات، سيظل النجاح التجاري مرتبطًا بقدرة المشروع على جذب عملاء يشترون سعات نقل البيانات، وبوجود ترتيبات موثوقة للتشغيل والصيانة، فضلًا عن قدرته على المنافسة مع مسارات الاتصالات القائمة.
هل تستطيع كندا الاستغناء عن البنية التحتية الأمريكية؟
من المهم التمييز بين إنشاء كابل يتجاوز الأراضي الأمريكية وبين فك الارتباط الكامل بالبنية التحتية الرقمية للولايات المتحدة.
فالمسار المقترح قد يقلل الاعتماد على المرور عبر الأراضي الأمريكية في بعض الاتصالات بين أوروبا وكندا، لكنه لا يلغي اعتماد مؤسسات كندية على خدمات الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والمنصات التي تديرها شركات أمريكية.
كما أن الأثر الفعلي للكابل سيعتمد على الجهات التي ستستخدمه، وحجم السعات التي سيوفرها، وطبيعة اتفاقات الربط مع الشبكات الأخرى، ومدى استقلال تشغيله عن المسارات المنافسة.
وبذلك، يمثل مشروع «ليف إريكسون» محاولة لتنويع طرق نقل البيانات بين أوروبا وأمريكا الشمالية، في وقت تتزايد فيه أهمية البنية التحتية الرقمية للاقتصاد والأمن القومي.
إلا أن تحوله إلى مسار فعلي للاتصالات سيظل مرهونًا باستكمال التمويل والتراخيص والتنفيذ، فيما ستحدد الاستخدامات التجارية والتقنية مدى إسهامه في تعزيز مرونة الاتصالات الكندية وسيادتها الرقمية.