هلا كندا – أوتاوا – الجمعة 23 أكتوبر 2026 – حذر أكثر من 50 عالمًا وباحثًا وأكاديميًا من أبرز الخبراء في كندا من أن مشروع القانون الذي تدفع به حكومة رئيس الوزراء مارك كارني لتسريع تنفيذ المشاريع الكبرى.
قد يؤدي إلى أضرار بيئية باهظة التكلفة، وربما يتعذر إصلاح بعضها، إذا لم تُجرَ عليه تعديلات جوهرية قبل إقراره.
وفي رسالة مفتوحة نُشرت الخميس، دعا 56 عضوًا من زملاء الجمعية الملكية الكندية إلى إدخال ستة تعديلات محددة على مشروع القانون C-39، المعروف باسم «قانون بناء كندا قوية».
محذرين من أن الصيغة الحالية للتشريع قد تضعف الضوابط التي تهدف إلى حماية الأنواع المهددة بالانقراض والنظم البيئية والموارد الطبيعية وصحة الإنسان.
ورغم أن الموقعين على الرسالة يؤيدون الهدف الأساسي للمشروع، والمتمثل في تبسيط الإجراءات التنظيمية وتسريع تقييم المشروعات الكبرى.
فإنهم يرون أن بعض بنوده تحتاج إلى التعديل أو الحذف بالكامل لضمان عدم التضحية بالحماية البيئية مقابل تسريع التنمية الاقتصادية.
وقالت الدكتورة سارة أوتو، أستاذة علم الحيوان في جامعة كولومبيا البريطانية وإحدى الموقعات على الرسالة، إن الصيغة الحالية للمشروع تضع جانبًا عددًا من القوانين واللوائح البيئية المعمول بها في كندا لحماية الطبيعة والمياه والهواء.
وأضافت أن السرعة التي يتحرك بها المشروع داخل البرلمان كانت من الأسباب الرئيسية التي دفعت مجموعة العلماء إلى التحرك خلال الأسبوع الماضي لإعداد الرسالة، التي قُدمت لاحقًا في مذكرة رسمية إلى عدد من البرلمانيين المعنيين.
وحذرت أوتو من أن بعض الأضرار البيئية لا يمكن إصلاحها بسهولة، معتبرة أن التضحية بالموارد الطبيعية لتحقيق مكاسب اقتصادية آنية قد تعني تحميل الأجيال المقبلة تكلفة قرارات تُتخذ في الوقت الحاضر.
ستة تعديلات لحماية البيئة والموارد الطبيعية
تتمحور رسالة العلماء حول ضرورة ضمان أن يؤدي تسريع الموافقات على المشاريع الكبرى إلى تقليل التعقيدات الإدارية، لا إلى إضعاف المعايير البيئية التي تخضع لها هذه المشاريع.
ويرى الموقعون أن التشريع، بصيغته الحالية، قد يسمح بتجاوز بعض الضوابط أو تقليص تأثيرها العملي، الأمر الذي يثير مخاوف بشأن قدرة الحكومة على الوفاء بتعهداتها المتعلقة بحماية الأنواع المهددة بالانقراض والموائل الطبيعية والموارد المائية وسلامة البيئة.
وتشمل المخاوف التي عرضها العلماء احتمال أن تؤدي التغييرات المقترحة إلى تقليص الضمانات التي تمنع المشروعات من إلحاق أضرار بالنظم البيئية.
أو إلى منح الوزراء مجالًا أوسع للتعامل مع الشروط المفروضة على المشروعات، بما قد يضعف فعاليتها.
وقالت أوتو إن الحكومة لا تستطيع، من وجهة نظرها، الادعاء بأن المعايير البيئية ستظل على حالها إذا كانت بنود القانون تسمح بخفضها أو تجاوزها أو تجاهل بعض الشروط التي تهدف إلى الحد من الأضرار.
ويأتي هذا التحذير في وقت تسعى فيه الحكومة الفيدرالية إلى تسريع تنفيذ مشروعات الطاقة والبنية التحتية وغيرها من المشروعات التي تعتبرها ضرورية لتعزيز الاقتصاد الكندي وزيادة القدرة على البناء والاستثمار.
ولا يعارض العلماء، وفق الرسالة، مبدأ تسريع تنفيذ المشروعات بحد ذاته، بل يركزون على ضرورة الحفاظ على الحماية القانونية والبيئية بالتوازي مع الإصلاحات التنظيمية.
الحكومة تعتبر القانون إصلاحًا تاريخيًا لتسريع البناء
طرحت الحكومة مشروع القانون الشامل في اليوم الأول من الدورة الخريفية للبرلمان، مقدمة إياه باعتباره خطوة رئيسية لتسريع الموافقات التنظيمية على مشروعات الطاقة والبنية التحتية ذات الأهمية الوطنية، إلى جانب معالجة بعض أوجه عدم اليقين المرتبطة بعلاقات العمل.
ووصفته الحكومة، في بيان صحفي عند تقديمه، بأنه الإصلاح الأكثر شمولًا وطموحًا لقدرة كندا على تنفيذ المشروعات الكبرى خلال جيل كامل.
وبعد نحو ثلاثة أسابيع من تقديمه، اجتاز المشروع أولى مراحله البرلمانية، في ظل رغبة الحكومة في تقليص المدة التي تستغرقها الموافقات الفيدرالية على المشروعات الكبرى.
ومن بين التدابير المقترحة إنشاء مناطق تُصنف باعتبارها ذات «مصلحة وطنية»، إلى جانب تنسيق التقييمات الفيدرالية ضمن آلية مبسطة، بهدف ضمان ألا تتجاوز مدة تقييم المشروعات الجديدة عامًا واحدًا.
وتقول الحكومة إن هذه التغييرات ستساعد على تقليل التأخير الإداري وتحسين التنسيق بين الجهات المعنية، بما يسمح بتنفيذ المشروعات الاستراتيجية بصورة أسرع.
لكن المشروع واجه انتقادات من جهات متعددة، من بينها علماء وخبراء بيئة ونقابات عمالية، أثاروا مخاوف بشأن انعكاساته المحتملة على الحماية البيئية وحقوق العمال.
وفي الأيام التي أعقبت تقديمه، نظم ناشطون مناخيون احتجاجات أمام البرلمان في أوتاوا، أسفرت عن توقيف عدد من المشاركين، بينهم أشخاص من كبار السن، بتهم تتعلق بالتعدي على الممتلكات.
وقالت أوتو إن الحكومات مطالبة بالموازنة بين النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل من جهة، وحماية الموارد الطبيعية والأنظمة البيئية التي يعتمد عليها المجتمع من جهة أخرى.
وأضافت أن الموارد الطبيعية تمثل جزءًا أساسيًا من الإرث الذي ينبغي الحفاظ عليه للأجيال المقبلة، معتبرة أن التركيز على المؤشرات الاقتصادية وحدها لا يوفر صورة كاملة عن تكلفة القرارات الحكومية.
مخاوف من انعكاسات المشروع على حقوق العمال
إلى جانب التحذيرات البيئية، أثارت مجموعات عمالية مخاوف بشأن التغييرات المقترحة على قواعد التفاوض الجماعي ضمن قانون العمل الكندي، والتي يتضمنها مشروع القانون.
وترى هذه المجموعات أن التغييرات قد تضر بالعمال وتحد من حقهم في الإضراب، وهو ما يضيف بُعدًا آخر إلى الجدل بشأن التشريع.
وتؤكد النقابات أن تسريع تنفيذ المشروعات لا ينبغي أن يأتي على حساب الحقوق التي تتيح للعمال التفاوض بشأن ظروف العمل والأجور والمزايا، أو على حساب قدرتهم على استخدام الأدوات القانونية المتاحة لهم للدفاع عن مصالحهم.
في المقابل، رحبت جهات من قطاع الأعمال والصناعة بالحزمة التشريعية، معتبرة أن تسريع الموافقات على المشروعات الكبرى قد يساعد على تقليل التأخير وتحسين بيئة الاستثمار.
ويكشف هذا التباين عن اختلاف واضح في تقييم المشروع بين الجهات التي تركز على فرص النمو الاقتصادي وتطوير البنية التحتية، وتلك التي تخشى أن يؤدي تسريع الإجراءات إلى تقليص الضمانات البيئية والعمالية.
وبينما ترى الحكومة أن الإصلاحات ضرورية لإنجاز المشروعات بسرعة أكبر، يطالب المنتقدون بتوضيح كيفية حماية الحقوق والمصالح العامة في ظل النظام التنظيمي الجديد.
العلماء يطلبون المشاركة في جلسات الاستماع
قالت أوتو إن الخبراء الذين أعدوا الرسالة طلبوا المشاركة بوصفهم شهودًا أمام اللجنة البرلمانية المكلفة بدراسة مشروع القانون، لكنهم لم يتلقوا دعوة حتى الآن.
ويثير هذا الأمر تساؤلات بشأن مدى الاستفادة من الخبرات العلمية المتخصصة عند دراسة تشريع قد تكون له آثار طويلة الأمد على الموارد الطبيعية والبيئة.
وبحسب خطة العمل التي وافق عليها النواب، يتعين تقديم التعديلات المقترحة على مشروع القانون إلى كاتب اللجنة بحلول الساعة الخامسة مساءً بالتوقيت الشرقي في 4 نوفمبر، على أن تبدأ مراجعة بنود التشريع بندًا بندًا في منتصف الشهر.
ويمنح هذا الجدول الزمني الأطراف المعنية فترة محددة لتقديم مقترحاتها، لكنه يضع أيضًا ضغوطًا على اللجنة لإنجاز الدراسة خلال فترة قصيرة نسبيًا.
وأكدت المتحدثة باسم الوزيرة، إيمي فولكنر، أن مشروع القانون لن يؤدي إلى التنازل عن المعايير البيئية.
وقالت إن نطاق التقييمات البيئية سيظل كما هو، وإنها ستواصل النظر في مجموعة واسعة من العوامل، تشمل التأثيرات البيئية والصحية والاجتماعية، إلى جانب معارف السكان الأصليين والمعارف التقليدية.
وأضافت أن جميع المشروعات ستظل خاضعة لشروط ملزمة قانونًا وتدابير للتخفيف من الأضرار، مؤكدة أن الحكومة منفتحة على تلقي الملاحظات العامة بشأن التشريع خلال مروره عبر البرلمان.
خلاف حول كيفية تحقيق التوازن بين الاقتصاد والبيئة
يعكس الجدل حول مشروع القانون C-39 تحديًا رئيسيًا أمام الحكومة الفيدرالية، يتمثل في تسريع المشروعات التي تعتبرها ضرورية للنمو الاقتصادي مع الحفاظ على الضمانات القانونية التي تحمي البيئة والعمال والمجتمعات المتأثرة.
فمن جهة، ترى الحكومة وقطاعات من مجتمع الأعمال أن الإجراءات الحالية قد تؤخر تنفيذ مشروعات استراتيجية، وأن توحيد التقييمات وتحديد سقف زمني للموافقات يمكن أن يساعدا على تحسين الكفاءة.
ومن جهة أخرى، يحذر العلماء والنقابات وبعض نواب المعارضة من أن ضغط الجدول الزمني وتقليص فرص المشاركة قد يؤديان إلى إقرار تشريع من دون دراسة كافية لجميع آثاره المحتملة.
ويشير العلماء إلى أن الأضرار البيئية قد تستمر لفترات طويلة، وأن بعض الخسائر التي تلحق بالأنظمة الطبيعية لا يمكن تعويضها بمجرد اتخاذ إجراءات لاحقة، وهو ما يجعل الوقاية والتقييم المسبق عنصرين أساسيين في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمشروعات الكبرى.
وفي الوقت نفسه، تؤكد الحكومة أن التقييمات البيئية والشروط الملزمة ستظل قائمة، وأن مشروع القانون يهدف إلى إصلاح طريقة إنجاز المشروعات وليس التخلي عن الحماية البيئية.