هلا كندا – تورونتو – الجمعة 23 أكتوبر 2026 – كشفت نتائج دراسة رئيسية أعلنتها شركتا الأدوية «موديرنا» و«ميرك» عن تقدم جديد في تطوير لقاحات السرطان الشخصية.
بعدما أظهرت أن إضافة لقاح تجريبي مصمم خصيصًا لكل مريض إلى العلاج القياسي بعد الجراحة يمكن أن يقلل خطر عودة سرطان الجلد من نوع الميلانوما بنسبة 42 في المئة خلال عامين.
وتتناول الدراسة استراتيجية علاجية تعتمد على إعداد لقاح يتوافق مع الخصائص البيولوجية للورم لدى كل مريض، بهدف تدريب الجهاز المناعي على التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها.
وتُعد هذه النتائج من أبرز التطورات التي شهدها مجال اللقاحات الشخصية المضادة للسرطان، خصوصًا أن الميلانوما تُصنف ضمن أخطر أنواع سرطان الجلد، ويمكن أن تصبح أكثر صعوبة في العلاج عندما تنتشر إلى أجزاء أخرى من الجسم.
وبحسب النتائج التي أوردها التقرير، فإن اللقاح لم يُستخدم بديلًا عن الجراحة أو العلاجات المعتادة، بل أُضيف إلى العلاج القياسي بعد إزالة الورم، في محاولة للحد من احتمال عودة المرض في مرحلة لاحقة.
وتفتح هذه النتائج الباب أمام مزيد من الأبحاث حول إمكانية استخدام اللقاحات الشخصية لتعزيز العلاج المناعي، لكنها لا تعني أن اللقاح أصبح علاجًا متاحًا لجميع مرضى السرطان، إذ لا يزال تقييم فعاليته وسلامته وتحديد الفئات التي يمكن أن تستفيد منه أمرًا أساسيًا.
انخفاض خطر عودة سرطان الجلد بعد الجراحة
أظهرت الدراسة أن إضافة اللقاح الشخصي إلى العلاج القياسي خفضت خطر عودة الميلانوما بنسبة 42 في المئة خلال فترة متابعة بلغت عامين بعد الجراحة، وفق ما نقلته النتائج التي أعلنتها الشركتان.
وتكتسب هذه النتيجة أهميتها من أن الجراحة قد تنجح في إزالة الورم الظاهر، لكن بعض المرضى يظلون معرضين لخطر عودة السرطان بسبب وجود خلايا سرطانية مجهرية لا يمكن اكتشافها أو إزالتها بسهولة.
ومن هنا، يحاول الباحثون تطوير علاجات تساعد الجهاز المناعي على التعرف على هذه الخلايا والتعامل معها قبل أن تتكاثر مجددًا.
ويختلف اللقاح الشخصي عن اللقاحات الوقائية التقليدية، التي تُعطى لمنع الإصابة بأمراض معينة، كما يختلف عن العلاجات التي تستهدف الأورام بالطريقة نفسها لدى جميع المرضى.
ففي هذه الحالة، يُصمم اللقاح استنادًا إلى خصائص الورم الخاص بالمريض، بهدف توجيه استجابة مناعية أكثر ملاءمة للتغيرات الجزيئية الموجودة في الخلايا السرطانية لديه.
وقال الدكتور حسين توبي، أحد الباحثين المشاركين في الدراسة الدولية من مركز «إم دي أندرسون» للسرطان في مدينة هيوستن الأمريكية، إن هذا المجال كان يبحث عن تحقيق تقدم كبير، معتبرًا أن النتائج تمثل إنجازًا مهمًا.
وتعكس هذه التصريحات التفاؤل الذي أثارته النتائج داخل الأوساط البحثية، مع استمرار الحاجة إلى متابعة المرضى لفترات أطول لمعرفة مدى استدامة الفائدة العلاجية.
كيف يعمل اللقاح الشخصي المضاد للسرطان؟
يعتمد اللقاح، المعروف باسم «إنتيس ميران» في التقرير، على تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال، المعروفة اختصارًا باسم mRNA.
وقد اكتسبت هذه التقنية شهرة واسعة خلال جائحة كوفيد-19، بعدما استُخدمت في تطوير لقاحات ساعدت على تحفيز الجهاز المناعي ضد فيروس كورونا.
لكن استخدام التقنية في علاج السرطان يقوم على هدف مختلف؛ إذ يسعى الباحثون إلى توجيه الجهاز المناعي للتعرف على علامات جزيئية مرتبطة بالورم، بدلًا من استهداف فيروس خارجي.
وتبدأ الفكرة من تحليل الخصائص الجينية للورم لدى المريض، لتحديد أهداف محتملة يمكن للجهاز المناعي التعرف عليها. وبعد ذلك، يُصمم اللقاح ليحمل تعليمات تساعد خلايا الجسم على إنتاج أجزاء محددة تحفز الاستجابة المناعية ضد تلك الأهداف.
ومن المفترض أن يؤدي ذلك إلى تنشيط خلايا مناعية قادرة على التعرف على الخلايا السرطانية التي تحمل العلامات المستهدفة ومهاجمتها.
وتكمن أهمية هذا النهج في أن الأورام ليست متطابقة لدى جميع المرضى، حتى عندما تنتمي إلى النوع نفسه من السرطان. فقد تختلف الطفرات الجينية والخصائص الجزيئية من ورم إلى آخر، وهو ما يجعل تصميم علاج مخصص لكل حالة خيارًا يثير اهتمام الباحثين.
ومع ذلك، فإن قدرة اللقاح على تحقيق استجابة مناعية مفيدة لا تضمن بالضرورة القضاء على السرطان، إذ يمكن أن تتأثر النتائج بخصائص الورم وحالة المريض والعلاجات الأخرى المستخدمة معه.
لماذا تُعد الميلانوما محورًا مهمًا لهذه الأبحاث؟
الميلانوما هي نوع من سرطان الجلد ينشأ في الخلايا المسؤولة عن إنتاج صبغة الميلانين. وعلى الرغم من أنها ليست النوع الأكثر شيوعًا من سرطان الجلد، فإنها قد تكون أكثر خطورة بسبب قدرتها على الانتشار إلى أعضاء أخرى عندما لا تُكتشف أو تُعالج في الوقت المناسب.
وتعتمد فرص العلاج على عوامل عدة، من بينها مرحلة المرض وعمق الورم ومدى انتشاره، إضافة إلى الحالة الصحية للمريض.
وعندما تُزال الميلانوما جراحيًا، قد يحتاج بعض المرضى إلى علاجات إضافية لتقليل احتمال عودة المرض، وفق تقييم الفريق الطبي وخصائص الحالة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية اللقاحات الشخصية التي تُختبر بعد الجراحة، إذ تهدف إلى تعزيز قدرة الجهاز المناعي على مواجهة الخلايا السرطانية المتبقية المحتملة.
وتشير النتائج الجديدة إلى أن هذا النهج قد يوفر فائدة إضافية لبعض المرضى، لكن تحديد مدى الاستفادة على المدى الطويل يتطلب متابعة مستمرة وبيانات إضافية.
كما أن نسبة انخفاض الخطر البالغة 42 في المئة لا تعني أن 42 في المئة من المرضى شُفوا نهائيًا، ولا تعني أن احتمال عودة السرطان اختفى. فهي تشير إلى انخفاض نسبي في خطر تكرار المرض ضمن ظروف الدراسة، ويجب تفسيرها في ضوء معدلات العودة الفعلية ومدة المتابعة وخصائص المشاركين.
خبراء يرون آفاقًا جديدة في علاج السرطان
رحب خبراء لم يشاركوا في الدراسة بالنتائج، معتبرين أنها تعزز الاهتمام باللقاحات الشخصية ضمن مجال العلاج المناعي للسرطان.
وقالت كارين نودسن، الرئيسة التنفيذية لمعهد باركر، الذي يساعد في تمويل أبحاث العلاج المناعي، إن هذه النتائج تفتح آفاقًا جديدة.
من جانبه، وصف الدكتور مايكل أتكينز، نائب مدير مركز لومباردي الشامل للسرطان في جامعة جورج تاون، النتائج بأنها تقدم مهم للعلم وعلم الأورام، مشيرًا إلى أن التقنية قد تكون قابلة للتطبيق على أنواع مختلفة من السرطان.
وتعكس هذه التصريحات الاهتمام بإمكانية تطوير علاجات تستفيد من الاختلافات البيولوجية بين الأورام، بدلًا من الاعتماد حصريًا على العلاجات الموحدة لجميع المرضى.
لكن الخبراء لا يستطيعون اعتبار نجاح استراتيجية في علاج نوع معين من السرطان دليلًا كافيًا على فعاليتها في أنواع أخرى. فكل سرطان يتميز بخصائص مختلفة، وقد يتطلب تصميم اللقاح واختباره وتقييم فعاليته بصورة مستقلة.
أبحاث مستمرة على سرطانات أخرى
لا تقتصر الأبحاث المتعلقة باللقاحات الشخصية على الميلانوما، إذ يجري اختبار استراتيجيات تجريبية تستخدم تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال وأساليب أخرى ضد أنواع متعددة من السرطان، بما في ذلك سرطان الرئة والكلى والبنكرياس.
وتهدف هذه الدراسات إلى معرفة ما إذا كان بالإمكان توظيف الاستجابة المناعية الموجهة ضد الورم في حالات مختلفة، وما إذا كانت اللقاحات الشخصية قادرة على تحسين نتائج العلاجات الحالية.
وقد يتطلب تطوير هذه العلاجات وقتًا طويلًا، نظرًا إلى ضرورة اختبار سلامتها وفعاليتها في تجارب سريرية، وتحديد الجرعات المناسبة، ومقارنة النتائج بالعلاجات القياسية.
كما أن تصنيع لقاح مخصص لكل مريض يطرح تحديات تتعلق بسرعة الإنتاج والتكلفة وإمكانية الوصول إلى العلاج، إلى جانب الحاجة إلى تحليلات دقيقة للورم قبل إعداد اللقاح.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي للمرضى اعتبار هذه النتائج سببًا لتأجيل الجراحة أو وقف العلاج الموصوف لهم. فاللقاح المشار إليه في الدراسة ليس بديلًا عامًا عن العلاجات المعتمدة، وينبغي اتخاذ القرارات الطبية بالتشاور مع اختصاصيي الأورام.
نتائج واعدة لكنها لا تعني نهاية السرطان
تقدم الدراسة دليلًا إضافيًا على إمكانات العلاج المناعي الشخصي، خصوصًا عند استخدامه إلى جانب العلاجات القياسية بعد الجراحة.
ويتمثل الإنجاز الأساسي في انخفاض خطر عودة الميلانوما بنسبة 42 في المئة خلال عامين، وفق النتائج المعلنة، وهو ما يعزز الاهتمام بمواصلة تطوير اللقاحات المصممة وفق الخصائص الجينية لكل ورم.
ومع ذلك، لا تزال هناك أسئلة مهمة تتعلق بمدة الحماية التي يوفرها اللقاح، ومدى تأثيره في معدلات البقاء على قيد الحياة، والفئات الأكثر استفادة منه، وإمكانية تعميم النتائج على أنواع أخرى من السرطان.
وستكون المتابعة طويلة الأمد والبيانات الإضافية ضرورية لتحديد القيمة العلاجية الكاملة لهذا النهج، فضلًا عن تقييم فرص إتاحته على نطاق أوسع.
وبينما تمثل النتائج خطوة مهمة في مسار البحث عن علاجات أكثر تخصيصًا، فإنها تظل تقدمًا علميًا واعدًا يحتاج إلى مزيد من التقييم، وليس دليلًا على وجود لقاح واحد قادر على منع جميع أنواع السرطان أو علاجها.