هلا كندا – أوتاوا – الخميس 29 أكتوبر 2026 – أعلنت الحكومة الكندية إطلاق إطار جديد للأمن القومي، يتضمن الاستعداد لمختلف حالات الطوارئ والتهديدات المحتملة، بما فيها السيناريوهات القصوى التي قد تصل إلى الحرب، في خطوة تأتي وسط تصاعد التوترات التجارية والسياسية مع الولايات المتحدة.
وكشف رئيس الوزراء مارك كارني عن الخطة الجديدة الخميس، في وقت تواجه فيه كندا تحديات متزايدة تتعلق بسيادتها وأمنها الاقتصادي وعلاقاتها مع واشنطن.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إطلاق تصريحات بشأن تحويل كندا إلى الولاية الأمريكية الحادية والخمسين، بالتزامن مع تعمق الخلافات التجارية بين البلدين.
وبحسب مسؤول حكومي كندي رفيع المستوى، فإن الاستراتيجية الجديدة تهدف إلى ضمان استعداد البلاد لجميع الاحتمالات، بما في ذلك أسوأ السيناريوهات الأمنية.
لكن طرح الاستعداد للحرب ضمن التخطيط الحكومي لا يعني أن كندا أعلنت وجود حرب وشيكة أو أن مواجهة عسكرية باتت متوقعة.
مسؤول حكومي: الاستعداد يجب أن يشمل احتمال الحرب
خلال إحاطة إعلامية للصحفيين، أوضح مسؤول حكومي رفيع المستوى أن الخطة تستند إلى ضرورة الاستعداد لمختلف الظروف الطارئة، حتى السيناريوهات الأكثر خطورة التي قد تنتهي بالحرب.
وأكد المسؤول أن الوقت قد حان لتعزيز وعي المؤسسات الكندية بطبيعة التهديدات الخارجية التي تواجه البلاد.
وأشار إلى أن هذه المسؤولية لا تقتصر على الحكومة والأجهزة الأمنية، بل تشمل أيضًا الشركات الكندية والمؤسسات الأكاديمية.
ووفقًا للتوجه الحكومي الجديد، فإن الاستعداد للتهديدات يتطلب فهمًا أوسع للمخاطر المحتملة، إلى جانب تعزيز قدرة مختلف القطاعات على التعامل معها.
وتعكس هذه التصريحات رغبة الحكومة في توسيع مفهوم الأمن القومي ليشمل جوانب اقتصادية ومؤسسية، بدلًا من التركيز على التهديدات العسكرية التقليدية وحدها.
تصريحات ترامب تعيد ملف السيادة إلى الواجهة
يأتي الإعلان عن الاستراتيجية في سياق سياسي حساس تشهده العلاقات الكندية الأمريكية.
فمنذ عودته إلى الرئاسة، واصل دونالد ترامب التلويح بفكرة جعل كندا الولاية الحادية والخمسين للولايات المتحدة.
وترافقت هذه التصريحات مع خلافات تجارية متزايدة، ما دفع قضية السيادة الكندية إلى واجهة النقاش السياسي والأمني.
وفي مقابلة حديثة مع صحيفة نيويورك تايمز، كشف رئيس الوزراء مارك كارني أنه درس ما وصفه بأنه خطر شديد التطرف يتعلق باحتمال قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري ضد كندا.
ويشير استخدام هذا الوصف إلى التعامل مع احتمال استثنائي ضمن تقييم المخاطر، وليس إلى إعلان أن مثل هذا السيناريو مرجح أو وشيك.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية في ضوء الخطة الأمنية الجديدة التي تدعو إلى الاستعداد لجميع الاحتمالات.
ومع ذلك، لم يتضمن الإعلان معلومات تفيد بأن الحكومة الكندية رصدت استعدادات عسكرية أمريكية لمهاجمة البلاد.
الولايات المتحدة الدولة الوحيدة المذكورة بالاسم
من أبرز التفاصيل اللافتة في الإطار الأمني الجديد أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي ورد اسمها صراحة في الوثيقة، وفق المعلومات المنشورة.
وفي المقابل، أشارت الاستراتيجية إلى مناطق جغرافية أخرى، من بينها أوروبا والشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ويعكس هذا التفصيل أهمية العلاقة مع واشنطن في التقييمات الأمنية والسياسية الكندية الحالية.
فالولايات المتحدة ليست مجرد شريك تجاري رئيسي لكندا، بل ترتبط الدولتان أيضًا بعلاقات دفاعية وأمنية عميقة.
ولهذا، فإن إدراج العلاقة مع الولايات المتحدة ضمن أولويات السياسة الجديدة يبرز مدى تعقيد التحديات التي تواجه أوتاوا.
ورغم التوترات القائمة، تشير الخطة إلى أن بناء شراكة جديدة مع الولايات المتحدة سيظل أحد الأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية الكندية المقبلة.
حماية ثمانية قطاعات اقتصادية استراتيجية
يمثل الأمن الاقتصادي أحد المحاور الرئيسية في الاستراتيجية الجديدة.
وحددت الحكومة ثمانية مجالات اقتصادية استراتيجية تسعى إلى تعزيز حمايتها من المخاطر والتهديدات الخارجية.
وتشمل هذه المجالات:
-
التقنيات الناشئة.
-
المعادن الحيوية والاستراتيجية.
-
قطاع الدفاع.
-
قطاع الطاقة.
-
قطاع النقل.
-
الأدوية والتكنولوجيا الحيوية.
-
الأمن الغذائي.
-
المعاملات المالية.
وتكتسب هذه القطاعات أهمية كبيرة نظرًا إلى ارتباطها بقدرة البلاد على الحفاظ على الخدمات الأساسية والإنتاج الاقتصادي والاستقلال في المجالات الحساسة.
فعلى سبيل المثال، تدخل المعادن الحيوية في العديد من الصناعات والتقنيات الحديثة، بينما ترتبط قطاعات الطاقة والنقل والأمن الغذائي باستمرارية النشاط الاقتصادي والحياة اليومية.
أما حماية المعاملات المالية والتقنيات الناشئة، فتندرج ضمن الجهود الرامية إلى تقليل تعرض الأنظمة الاقتصادية الحساسة للمخاطر.
ولم تتضمن المعلومات المتاحة تفاصيل كاملة عن الإجراءات المحددة التي ستُطبق لحماية كل قطاع من هذه القطاعات.
تحول كبير مقارنة باستراتيجية عمرها أكثر من 20 عامًا
تُعد الخطة الجديدة تحديثًا مهمًا للنهج الكندي في التعامل مع الأمن القومي.
فالإطار السابق وُضع قبل أكثر من عقدين، ولم يتضمن خطة واضحة لحماية الاقتصاد باعتباره جزءًا أساسيًا من الأمن الوطني.
أما الاستراتيجية الجديدة، فتضع حماية القطاعات الاقتصادية الحيوية في قلب السياسة الأمنية.
ويعكس هذا التحول اتساع مفهوم التهديدات التي قد تواجه الدول، خصوصًا عندما تتداخل المخاطر الأمنية مع التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والموارد الاستراتيجية.
كما يشير إلى أن الحكومة الكندية تسعى إلى تعزيز قدرة البلاد على مواجهة الأزمات التي قد تؤثر في الاقتصاد حتى من دون وقوع مواجهة عسكرية مباشرة.
السيادة الكندية في صدارة الوثيقة الجديدة
تفتتح وثيقة السياسة الأمنية الجديدة بعبارة تؤكد أن السيادة الحقيقية تتيح للكنديين أن يعيشوا حياتهم بالطريقة التي يختارونها.
وتضع هذه الفكرة استقلال القرار الكندي في مقدمة الأولويات الحكومية.
ويأتي التركيز على السيادة في ظل التوترات مع الولايات المتحدة، والتحديات المتعلقة بحماية المصالح الوطنية من الضغوط الخارجية.
ولا تقتصر السيادة، وفق التوجه الذي تعكسه الاستراتيجية، على حماية الحدود، بل ترتبط أيضًا بقدرة كندا على اتخاذ قراراتها السياسية والاقتصادية والأمنية بصورة مستقلة.
ولهذا السبب، تحظى حماية القطاعات الاستراتيجية وتعزيز الاستعداد الوطني بمكانة بارزة في الخطة.
خمسة محاور وتشريعات جديدة مرتقبة
خلال إحاطة إعلامية، أوضحت مجموعة من المسؤولين الأمنيين أن تنفيذ الاستراتيجية سيشمل إعداد تشريعات جديدة تستند إلى خمسة محاور رئيسية.
وتتمثل هذه المحاور في الأمن، والعلاقات الخارجية، والدفاع، والسلامة العامة، والاستخبارات.
ويشير هذا التقسيم إلى أن الحكومة تخطط لمعالجة التحديات الأمنية من خلال عدة مؤسسات ومجالات عمل، بدلًا من حصر المسؤولية في الأجهزة العسكرية أو الاستخباراتية.
كما أن إدراج العلاقات الخارجية ضمن المحاور الأساسية يعكس ارتباط الأمن القومي بطبيعة الشراكات الدولية التي تعتمد عليها كندا.
ولم تكشف المعلومات المنشورة عن النصوص التفصيلية للتشريعات المرتقبة أو المواعيد المحددة لإقرارها.
سياسة خارجية جديدة الشهر المقبل
من المتوقع أن تبدأ أولى خطوات تنفيذ الإطار الجديد خلال نوفمبر 2026.
وبحسب المسؤولين، ستطرح الحكومة سياسة خارجية جديدة تتضمن بناء شراكة جديدة مع الولايات المتحدة باعتباره إحدى الأولويات.
ويأتي هذا التوجه رغم الخلافات التجارية والسياسية الحالية بين البلدين.
وتشير هذه الخطوة إلى أن أوتاوا تسعى إلى الجمع بين تعزيز استقلالها الأمني والاقتصادي، وإعادة تنظيم علاقتها مع واشنطن.
ولم تتضح بعد طبيعة الشراكة الجديدة أو الإجراءات التي ستقترحها الحكومة لتحقيقها.
ومن المنتظر أن تكشف السياسة الخارجية المرتقبة مزيدًا من التفاصيل بشأن أولويات كندا الدبلوماسية والأمنية خلال المرحلة المقبلة.
هل تستعد كندا لحرب فعلية؟
يثير إدراج احتمال الحرب في التصريحات الحكومية تساؤلات بشأن مستوى التهديد الذي تواجهه كندا.
لكن المعلومات المتاحة تشير إلى أن الحكومة تتحدث عن التخطيط للطوارئ والاستعداد لأسوأ السيناريوهات، وليس عن قرار بخوض حرب أو توقع رسمي باندلاعها قريبًا.
ويُعد تقييم الاحتمالات النادرة والخطيرة جزءًا من التخطيط الأمني الذي يهدف إلى تقليل آثار الأزمات إذا وقعت.
وفي الحالة الكندية، يبدو أن الحكومة تسعى إلى توسيع هذا التخطيط ليشمل الاقتصاد والشركات والجامعات، إلى جانب المؤسسات الدفاعية والأمنية.
ومع استمرار التوتر مع الولايات المتحدة، ستتجه الأنظار إلى الخطوات التشريعية والسياسية التي ستعلنها أوتاوا خلال الأسابيع المقبلة.
وتبقى التفاصيل المتعلقة بآليات تنفيذ الاستراتيجية، وحجم الموارد المخصصة لها، وطبيعة الإجراءات الجديدة، من المسائل التي لم تتضح بالكامل بعد.