هلا كندا – أوتاوا – الخميس 29 أكتوبر 2026 – أصدرت هيئة فدرالية مختصة بعلاقات العمل في كندا قرارًا بإلغاء عقوبة تأديبية فُرضت على ضابط في مصلحة الإصلاحيات الكندية، بعدما رفع إصبعه الأوسط في إشارة بذيئة باتجاه مبنيين حكوميين خلال دورة تدريبية عام 2019.
وقضت هيئة علاقات العمل والتوظيف في القطاع العام الفدرالي بأن التصرف، رغم وصفه بأنه غير ناضج، لا يشكل مخالفة تستدعي معاقبة الموظف، خصوصًا أن الإشارة لم تكن موجهة إلى أي شخص.
وأمرت الهيئة بإعادة مبلغ 285 دولارًا كنديًا إلى الضابط غلين كوليسون (Glen Collison)، وهو المبلغ الذي خُصم من راتبه ويعادل أجر يوم عمل كامل، إضافة إلى الفوائد المستحقة.
وأثار القرار تساؤلات بشأن حدود السلطة التأديبية لأصحاب العمل في المؤسسات الحكومية، ومدى إمكانية معاقبة الموظفين بسبب تصرفات غير لائقة لا تستهدف أشخاصًا أو تؤثر بصورة مباشرة في أداء واجباتهم المهنية.
بداية القضية خلال تدريب على التعامل مع الكلاب
تعود تفاصيل القضية إلى يوليو 2019، عندما أُرسل كوليسون، الذي كان يعمل ضابطًا في مؤسسة ميلهافن الإصلاحية بمدينة باث في مقاطعة أونتاريو، للمشاركة في دورة تدريبية لإعادة اعتماد مهاراته في التعامل مع الكلاب.
وكان كوليسون يعمل ضمن مجال التعامل مع الكلاب في مصلحة الإصلاحيات الكندية (Correctional Service of Canada)، المعروفة اختصارًا باسم CSC.
ونظرًا إلى أن المصلحة لا تتولى بنفسها إصدار شهادات الاعتماد الخاصة بالتعامل مع الكلاب، فقد أُرسل الضابط إلى منشأة تدريب تابعة لوكالة خدمات الحدود الكندية (CBSA).
واستمرت الدورة خمسة أسابيع، وشارك فيها كوليسون برفقة كلبه الجديد.
لكن الوثائق التي استعرضتها هيئة العمل أظهرت أن الضابط لم يكن راضيًا عن تجربته خلال البرنامج التدريبي.
وقبل وقت قصير من موعد تخرجه من الدورة، وقعت الحادثة التي أدت لاحقًا إلى فرض العقوبة عليه.
ماذا حدث في موقف السيارات؟
بحسب تقرير الهيئة، كان كوليسون يتحدث مع ثلاثة أشخاص آخرين في موقف سيارات تابع لمنشأة وكالة خدمات الحدود الكندية.
وخلال الحديث، سأله أحد الموجودين عما إذا كان سعيدًا بقرب انتهاء التدريب ومغادرة المكان.
فأجاب بأنه سعيد بالفعل بالعودة إلى منزله.
لكن أحد الأشخاص واصل ممازحته، متسائلًا عما سيحدث إذا لم يُسمح له بالمغادرة.
ورد كوليسون بأنه يستطيع بالطبع العودة إلى المنزل، إلا أن السؤال تكرر مرة أخرى.
وعندها، استدار الضابط بعيدًا عن الأشخاص الموجودين في المحادثة، ورفع إصبعه الأوسط باتجاه مبنى مخصص للكلاب تابع لوكالة خدمات الحدود.
ثم استدار في اتجاه آخر، وكرر الإشارة نفسها نحو مبنى حكومي ثانٍ.
وأكدت تفاصيل القضية أن كوليسون لم يوجه الإشارة إلى الأشخاص الذين كانوا يتحدثون معه، وإنما إلى المبنيين.
ورغم أن الواقعة بدت محدودة في نطاقها، فإنها تحولت لاحقًا إلى قضية تأديبية داخل المؤسسات الفدرالية.
كيف وصلت الحادثة إلى الإدارة العليا؟
أبلغ أحد الأشخاص الموجودين في موقف السيارات مشرفه بما حدث.
وانتقلت المعلومات بعد ذلك عبر مستويات إدارية مختلفة، إلى أن وصلت إلى المقر الوطني لوكالة خدمات الحدود الكندية.
وأثارت الواقعة استياء مسؤولين في الوكالة، الذين نقلوا الأمر إلى مصلحة الإصلاحيات الكندية، باعتبارها الجهة التي يعمل لديها كوليسون.
وعقب تلقي المعلومات، أمرت إدارة المؤسسة الإصلاحية التي يعمل بها الضابط بفتح تحقيق في الحادثة.
وخلصت المسؤولة عن المؤسسة إلى أن تصرف كوليسون يستحق عقوبة تأديبية، معتبرة أن رفع الإصبع الأوسط باتجاه مباني وكالة خدمات الحدود يمثل سلوكًا ينطوي على عدم الاحترام.
وبناءً على ذلك، فرضت عليه عقوبة مالية تعادل أجر يوم واحد، بلغت 285 دولارًا.
لكن الضابط اعترض على القرار، معتبرًا أن العقوبة غير مبررة وأن إجراءات التحقيق شابتها مخالفات تتعلق بالإنصاف الإجرائي.
هيئة العمل: المباني لا تمتلك آراء أو مشاعر
عند مراجعة القضية، توصل المحكم كريستوفر روثام (Christopher Rootham) إلى نتيجة مختلفة عن تقييم مصلحة الإصلاحيات الكندية.
فقد اعتبر أن تصرف كوليسون كان طفوليًا وغير ناضج، لكنه لا يرتقي إلى مستوى السلوك الذي يستوجب فرض عقوبة تأديبية.
وأوضح أن النتيجة كانت ستختلف لو أن الضابط وجه الإشارة البذيئة إلى أحد موظفي وكالة خدمات الحدود الكندية.
وفي هذه الحالة، كان من الممكن اعتبار التصرف سلوكًا مسيئًا يستحق قدرًا من الإجراءات التأديبية.
لكن ما حدث، وفقًا للمحكم، هو أن كوليسون وجه الإشارة إلى مبنيين وليس إلى أشخاص.
واستند القرار إلى نقطة أثارها الضابط خلال استجوابه، مفادها أن المباني لا تمتلك آراء، وأن توجيه إشارة بذيئة إلى مبنى يختلف عن توجيهها إلى إنسان.
ورأى المحكم أن هذا التمييز مهم عند تقييم طبيعة التصرف ومدى استحقاقه للعقوبة.
كما اعتبر أن سلوك الضابط لم يمثل تحديًا لسلطة جهة عمله، بل كان تعبيرًا عن عدم إعجابه بمنشأة التدريب، ورد فعل على المزاح المتكرر بشأن احتمال اضطراره للبقاء فيها.
اتهامات بالمبالغة في وصف الواقعة
لم يقتصر قرار المحكم على تقييم تصرف الموظف، بل تناول أيضًا الطريقة التي تعاملت بها المؤسسات الحكومية مع الحادثة.
وأعرب روثام عن مخاوف بشأن كيفية نقل تفاصيل الواقعة بين المسؤولين.
واعتبر أن شخصًا داخل وكالة خدمات الحدود الكندية بالغ في وصف تصرف كوليسون، ما أدى إلى استياء الإدارة العليا للوكالة.
وبحسب تقييمه، انتقل هذا الاستياء لاحقًا إلى مصلحة الإصلاحيات الكندية، التي قررت معاقبة الموظف.
ورأى المحكم أن العقوبة فُرضت بهدف إرضاء وكالة خدمات الحدود، وليس لأن سلوك الموظف استوجب بالفعل إجراءً تأديبيًا.
وشدد على أن محاولة إرضاء مؤسسة حكومية أخرى لا تمثل سببًا مشروعًا لمعاقبة أحد الموظفين.
حماية العلاقات بين المؤسسات ليست مبررًا للعقوبة
أشار القرار إلى أن المسؤولة عن المؤسسة الإصلاحية أقرت خلال شهادتها بأنها فرضت العقوبة رغبةً في ضمان عدم تضرر العلاقة بين مصلحة الإصلاحيات الكندية ووكالة خدمات الحدود.
لكن المحكم رفض اعتبار هذا الهدف مبررًا كافيًا لاتخاذ إجراء تأديبي بحق كوليسون.
وأكد أن تقييم السلوك المهني يجب أن يستند إلى طبيعة التصرف نفسه ومدى مخالفته للمعايير المعمول بها، وليس إلى رغبة الإدارة في تهدئة استياء مؤسسة أخرى.
ويبرز هذا الجانب من القضية أهمية الفصل بين العلاقات الإدارية بين المؤسسات الحكومية والحقوق التأديبية للموظفين.
فوجود خلاف أو استياء بين جهتين لا يعني بالضرورة أن الموظف المعني ارتكب مخالفة تستحق العقوبة.
انتقادات لإجراءات التحقيق وتأخر إبلاغ الموظف
أثار كوليسون أيضًا مسألة الإنصاف الإجرائي خلال التحقيق الذي سبق فرض العقوبة.
وقال إنه لم يتلقَّ إشعارًا واضحًا بشأن الاتهامات الموجهة إليه لمدة ستة أسابيع، قبل أن يُبلَّغ بأنه يخضع للتحقيق.
واعتبر أن هذا التأخير أثر في عدالة الإجراءات المتخذة بحقه.
وأبدى المحكم اتفاقه مع أهمية هذه النقطة، مؤكدًا أن من المبادئ الأساسية في التحقيقات التأديبية أن يعرف الموظف طبيعة الاتهامات الموجهة إليه قبل استجوابه بشأنها.
ويتيح ذلك للموظف فهم موضوع التحقيق والاستعداد للرد على الادعاءات المطروحة.
ويُعد احترام الإجراءات العادلة جزءًا أساسيًا من التعامل مع القضايا التأديبية في بيئات العمل، خصوصًا عندما تكون العقوبة مرتبطة بالراتب أو السجل المهني للموظف.
إلغاء العقوبة وإعادة الأموال مع الفوائد
في نهاية مراجعة القضية، قرر المحكم إلغاء العقوبة التأديبية التي فُرضت على كوليسون.
كما أمر مصلحة الإصلاحيات الكندية بإعادة أجر يوم العمل الذي خُصم من راتبه، والبالغ 285 دولارًا، مع الفوائد.
ويعني القرار أن الموظف لن يتحمل العقوبة المالية التي فُرضت عليه بسبب الواقعة.
ومع ذلك، لم يعتبر المحكم أن تصرفه كان مناسبًا أو يستحق التشجيع، بل وصفه بوضوح بأنه غير ناضج.
وكان جوهر الحكم أن السلوك غير اللائق لا يؤدي تلقائيًا إلى استحقاق عقوبة تأديبية، وأن ظروف الواقعة وطبيعة الجهة التي وُجه إليها التصرف يجب أن تؤخذ في الاعتبار.
وتسلط هذه القضية الضوء على حدود الإجراءات التأديبية داخل القطاع العام الكندي، وأهمية التناسب بين المخالفة والعقوبة، إلى جانب ضرورة احترام حقوق الموظفين خلال التحقيقات.
كما تؤكد أن المؤسسات الحكومية مطالبة بتقييم الوقائع بصورة مستقلة وعادلة، حتى عندما تثير تصرفات أحد موظفيها استياء جهات حكومية أخرى.