بقلم: مجدي غسان اليازجي
كلما اشتدت المنافسة بين القوى الكبرى ضاقت المساحة التي تستطيع فيها الأمم المتحدة التحرك
داخل مجلس الأمن، حيث يفترض أن تُصاغ الاستجابات الجماعية للأزمات، كثيرا ما تتحول الخلافات الدولية إلى عائق أمام الاتفاق، بينما تستمر الحروب وتتسع كلفتها الإنسانية والسياسية.
من أوكرانيا إلى غزة واليمن والسودان تتزايد الحاجة إلى مؤسسة دولية قادرة على منع التصعيد وفتح مسارات للحلول. لكن الواقع يكشف أن القدرة على جمع الأطراف حول طاولة واحدة أصبحت، في كثير من الأحيان، إنجازا بحد ذاته.
في هذه اللحظة، يكتسب اختيار الأمين العام المقبل أهمية تتجاوز إدارة المنظمة وشؤونها المالية. فالعالم يحتاج إلى قيادة تفهم حدود المنصب، وتعرف في الوقت نفسه كيف تستخدم ما يتيحه من مساحة للحوار والوساطة وبناء الثقة.
لا يستطيع الأمين العام للأمم المتحدة أن يفرض توافقا على الدول، ولا أن يلغي الخلافات بين القوى الكبرى. لكنه يستطيع أن يفتح قنوات الاتصال، ويقترح خيارات عملية، ويستخدم ثقله المعنوي والسياسي لتقريب المسافات عندما تتعثر المفاوضات.
وتزداد أهمية هذا الدور في مرحلة تتداخل فيها المنافسة بين واشنطن وبكين وموسكو مع أزمات إقليمية معقدة، فيما تواجه الدول النامية تحديات الديون والتنمية والأمن الغذائي وتداعيات النزاعات.
وبالنسبة إلى المنطقة العربية، فإن فاعلية الأمم المتحدة ليست مسألة نظرية فمن فلسطين إلى السودان واليمن، يعيش ملايين الناس نتائج الحروب وتعثر الحلول السياسية، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى حضور دولي أكثر قدرة على حماية المدنيين ودعم فرص الاستقرار.
ومن هنا يبرز السؤال: هل تستطيع القيادة المقبلة للأمم المتحدة إعادة الدبلوماسية إلى قلب الاستجابة الدولية، ومنح الدول المختلفة أسبابا جديدة للعمل المشترك؟
خبرة من داخل قاعة التفاوض
في هذا السياق، يكتسب ترشيح الدبلوماسية الإماراتية لانا نسيبة لمنصب الأمين العام أهمية خاصة. فهي تقدم نفسها مرشحةً تضع بناء التوافق في صميم رؤيتها، مستندة إلى أكثر من عقد من العمل داخل الأمم المتحدة.
مثّلت نسيبة الإمارات مندوبةً دائمة لدى المنظمة بين عامي 2013 و2024، وترأست مجلس الأمن مرتين خلال عضوية بلادها فيه عامي 2022 و2023. كما شاركت في ملفات إصلاح المجلس وتنشيط عمل الجمعية العامة، إلى جانب عملها في قضايا السلم والأمن والتنمية والشؤون الإنسانية.
وتمنحها هذه التجربة معرفة مباشرة بكيفية إدارة الخلافات داخل المؤسسة الدولية، وبالفجوة التي قد تفصل بين مواقف الدول المعلنة وما يمكن الاتفاق عليه فعليًا خلف طاولة التفاوض.
وقد عرضت نسيبة رؤيتها أمام الدول الأعضاء في حوار تفاعلي يوم الثلاثاء وقالت بعده إن الأمم المتحدة موجودة لمساعدة الدول على الاتفاق والعمل رغم خلافاتها، معتبرة أن الثقة والاستقلال والالتزام بالميثاق عناصر أساسية في قوة الأمين العام.
في رؤيتها المكتوبة، تقر نسيبة بأن الأمين العام لا يستطيع أن يجبر الدول على التوافق، لكنها ترى أنه يستطيع تقديم الأدلة، وبلورة الخيارات، وفتح الأبواب أمام الأطراف عندما تتوافر فرصة للحوار.
وتكشف هذه الفكرة عن فهم عملي للدبلوماسيةفبناء الجسور لا يعني تجاهل الخلافات، وإنما البحث عما يمكن الاتفاق عليه رغم وجودها، ثم استخدام ذلك الاتفاق المحدود لتهيئة الظروف أمام خطوات أكبر.
وتقترح نسيبة التركيز على ما تسميه “الاتفاقات الأولى” كهدنة محلية، أو تبادل أسرى، أو ممر لإيصال الغذاء والدواء. وهذه الخطوات، وفق رؤيتها، قد تخفف المعاناة وتوفر اختبارا عمليا لقدرة الأطراف على الالتزام، تمهيدًا لتسويات أوسع.
وفي منطقة اعتادت انتظار الحلول الكبرى فيما تتفاقم الأزمات على الأرض، تبدو لهذه المقاربة قيمة خاصة؛ إذ تتيح العمل على ما هو ممكن اليوم، دون التخلي عن هدف السلام المستدام.
يمكن الاستدلال على أهمية هذا النهج بالعودة إلى مفاوضات مجلس الأمن بشأن غزة في ديسمبر 2023، حين اعتمد المجلس القرار 2720 بناءً على مشروع صاغته الإمارات.
وطلب القرار تعيين منسق أممي رفيع للشؤون الإنسانية وإعادة الإعمار، وإنشاء آلية لتسهيل وتسريع شحنات المساعدات إلى القطاع. وجاء اعتماده بعد مفاوضات صعبة في ظل خلافات دولية حادة بشأن الحرب والاستجابة الإنسانية.
لم يكن القرار نهاية للأزمة الإنسانية، لكنه أظهر أن العمل داخل المجلس المنقسم يمكن أن ينتج خطوة عملية، وأن صياغة مساحة مشتركة بين مواقف متباعدة تظل ممكنة حين تتوافر الإرادة الدبلوماسية.
وهنا تظهر قيمة الخبرة التي تحملها نسيبة: معرفة بتعقيدات التفاوض، وإدراك لأهمية تحويل النصوص والقرارات إلى أدوات لخدمة الناس الذين يعيشون آثار النزاع.
تأتي نسيبة من منطقة تقع عند تقاطع طرق التجارة والطاقة، وتشهد في الوقت نفسه بعضًا من أكثر الأزمات إلحاحًا على جدول الأعمال الدولي. وهي منطقة تعرف من التجربة المباشرة أن تعثر الحوار لا يبقى داخل قاعات الاجتماعات، بل ينعكس على أمن المجتمعات واقتصاداتها ومستقبل أجيالها.
وقالت المرشحة الإماراتية بعد حوارها مع الدول الأعضاء إنها شهدت من منطقتها كلفة عجز مجلس الأمن والأمم المتحدة عن التحرك، مؤكدة أن هذه الكلفة أكبر من أن تُترك إرثا للشباب.
كما تنتمي نسيبة إلى دولة بنت خلال العقود الماضية شبكة واسعة من الشراكات الاقتصادية والدبلوماسية الدولية. ويمكن لهذه الخلفية، إلى جانب خبرتها الأممية، أن تساعدها على فهم المصالح المتشابكة التي تحكم العلاقات بين الدول، وأهمية إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بينها.
وقد أعلن الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، جاسم محمد البديوي، دعم دول المجلس الست بالإجماع لترشيحها، مشيدًا بخبرتها ومساهمتها في تقريب وجهات النظر وبناء التوافق حول قضايا دولية.
تدرك نسيبة أن القدرة على الوساطة تتوقف على الثقة في استقلال من يتولاها. ولهذا أكدت في وثيقة رؤيتها التزامها بالمادة 100 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحدد مسؤولية الأمين العام الدولية، وأعلنت أخذ إجازة من منصبها الحكومي للتركيز على ترشحها.
وتقول في رؤيتها إنها ستتعامل بصراحة مع كل الحكومات، وتتعهد بألا تمنح استثناءات للأصدقاء أو تحمل ضغائن تجاه المنتقدين.
ويكتسب هذا التعهد أهميته من طبيعة المنصب: فالأمين العام يحتاج إلى القدرة على التواصل مع الجميع، وإلى الالتزام بالميثاق والقانون الدولي، لكي يحتفظ بقدرته على جمع الأطراف في أصعب اللحظات.
لن يكون اختيار الأمين العام المقبل حلا تلقائيا لأزمات النظام الدولي فالدول الأعضاء هي التي تتخذ القرارات وتحدد الولايات وتعتمد الميزانيات، كما أن أي تسوية كبرى تحتاج إلى إرادة سياسية من أطرافها.
لكن القيادة الأممية تستطيع أن تصنع فرقا في كيفية إدارة الخلاف: هل يُترك ليتحول إلى قطيعة، أم تُبحث داخله عن فرص لحماية المدنيين وفتح الحوار وبناء الثقة؟
في هذا السؤال تكمن أهمية الرؤية التي تطرحها لانا نسيبة، وما تحمله من خبرة في العمل داخل المنظمة وفي منطقة تعرف تعقيدات الأزمات. فالعالم المنقسم يحتاج إلى من يستطيع التحدث إلى المختلفين، وفهم مصالحهم، وإبقائهم على طاولة واحدة عندما تبدو فرص الاتفاق بعيدة.