هلا كندا – الخميس 29 أكتوبر 2026 – تتصاعد المخاوف الصحية العالمية من انتشار الجراثيم الخارقة المقاومة للأدوية، بعدما كشفت تقديرات حديثة عن تسبب هذه العدوى في نحو 10 ملايين إصابة وأكثر من 50 ألف وفاة سنويًا في الولايات المتحدة.
وسط تحذيرات من احتمال وصول الوفيات المرتبطة بمقاومة مضادات الميكروبات إلى 10 ملايين حالة سنويًا حول العالم بحلول عام 2050.
وتشير المعطيات إلى أن حجم المشكلة بات أكبر بكثير مما أظهرته تقديرات عام 2019، في وقت تواجه فيه الأنظمة الصحية تحديات متزايدة بسبب ظهور أنواع من البكتيريا والفطريات التي يصعب علاجها بالأدوية المتاحة.
وبحسب تقرير تناول أحدث بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة (CDC)، فإن الجراثيم المقاومة للأدوية تشكل تهديدًا متزايدًا للصحة العامة، ليس فقط بسبب ارتفاع أعداد الإصابات، وإنما أيضًا نتيجة التكاليف المرتفعة للعلاج ونقص الخيارات الدوائية الفعالة.
ما الجراثيم الخارقة ولماذا تشكل خطرًا؟
يُستخدم مصطلح «الجراثيم الخارقة» للإشارة إلى الكائنات الدقيقة التي طورت قدرة على مقاومة بعض الأدوية المستخدمة للقضاء عليها أو السيطرة على العدوى التي تسببها.
وتشمل هذه الكائنات أنواعًا من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، إضافة إلى فطريات قد لا تستجيب لبعض الأدوية المضادة للفطريات.
وتحدث مقاومة مضادات الميكروبات عندما تصبح الأدوية التي كانت فعالة سابقًا أقل قدرة على علاج العدوى، ما يجعل التعامل مع بعض الحالات أكثر تعقيدًا.
ولا تعني المقاومة بالضرورة أن جميع الأدوية تصبح غير فعالة، إذ تختلف درجة المقاومة من كائن دقيق إلى آخر، وقد تظل بعض الخيارات العلاجية متاحة.
لكن المشكلة تصبح أكثر خطورة عندما تظهر سلالات مقاومة لعدة أدوية في الوقت نفسه، أو عندما تكون الخيارات العلاجية محدودة أصلًا.
وتثير هذه الظاهرة قلق المؤسسات الصحية لأن علاج العدوى قد يحتاج إلى وقت أطول أو أدوية بديلة، وقد تصبح بعض الحالات أكثر صعوبة في السيطرة عليها.
أكثر من 50 ألف وفاة سنويًا في الولايات المتحدة
تشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن العدوى المرتبطة بالجراثيم المقاومة للأدوية تتسبب في نحو 10 ملايين إصابة سنويًا داخل الولايات المتحدة.
كما تُنسب إليها أكثر من 50 ألف وفاة سنويًا، وهي أرقام تتجاوز بصورة كبيرة التقديرات المسجلة عام 2019.
وقالت ويندي أرمسترونغ، الطبيبة ورئيسة الجمعية الأمريكية للأمراض المعدية، إن هذه الأرقام تثير القلق بصورة خاصة عندما يرى الأطباء في ممارساتهم اليومية مرضى تتطابق حالاتهم مع ما تعكسه الإحصاءات.
وتوضح تصريحاتها أن الحديث عن مقاومة الأدوية لا يقتصر على توقعات بعيدة المدى، بل يرتبط بحالات مرضية تواجهها المؤسسات الصحية بالفعل.
وركزت النسخة الأخيرة من تقرير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها على 19 نوعًا من الجراثيم، جرى تصنيفها ضمن فئات تتعلق بمستوى التهديد، بما في ذلك التهديدات العاجلة والخطيرة.
ويهدف هذا التصنيف إلى توضيح مستوى المخاطر المرتبطة بالأنواع المختلفة من مسببات العدوى المقاومة للأدوية.
40 ألف وفاة مرتبطة بالرعاية الصحية وتكاليف بالمليارات
من بين الأرقام التي أبرزها التقرير، تقديرات تشير إلى أن الإصابات المرتبطة بالرعاية الصحية تسهم في نحو 40 ألف وفاة.
كما تصل التكاليف المرتبطة بهذه الإصابات إلى نحو 12 مليار دولار.
وتبرز هذه الأرقام العبء الذي يمكن أن تفرضه العدوى المقاومة للأدوية على المستشفيات والمؤسسات الطبية.
فالعدوى التي يصعب علاجها قد تتطلب متابعة طبية أكثر تعقيدًا، واستخدام علاجات بديلة، وإجراءات إضافية للحد من انتشار مسببات المرض.
كما أن مقاومة الأدوية يمكن أن تؤثر في قدرة الأنظمة الصحية على التعامل مع بعض المضاعفات المرتبطة بالعلاج الطبي.
وتُعد الوقاية من العدوى داخل المؤسسات الصحية جزءًا مهمًا من الجهود الرامية إلى تقليل انتشار الكائنات الدقيقة المقاومة للأدوية.
فطر Candida auris يثير قلقًا متزايدًا
من أبرز التطورات المقلقة التي تناولها التقرير الارتفاع الكبير في الإصابات المرتبطة بفطر المبيضة أوريس (Candida auris)، الذي يُعرف بقدرته على مقاومة بعض العلاجات المضادة للفطريات.
وبحسب البيانات الواردة، تضاعفت الإصابات المرتبطة بهذا الفطر عشر مرات منذ عام 2019.
كما رُصدت سلالات مقاومة لجميع فئات الأدوية المضادة للفطريات، ما يزيد صعوبة التعامل مع بعض الحالات.
وتشكل هذه التطورات تحديًا مهمًا للمؤسسات الصحية، خصوصًا عندما تصيب العدوى أشخاصًا يعانون أصلًا من مشكلات صحية أو يحتاجون إلى رعاية طبية مكثفة.
وفي المقابل، أظهرت الإصابات المرتبطة ببكتيريا المطثية العسيرة (Clostridioides difficile) اتجاهًا نحو الانخفاض منذ عام 2018.
ويشير هذا التفاوت إلى أن تطور مقاومة الأدوية وانتشار مسببات العدوى لا يسيران بالاتجاه نفسه بالنسبة إلى جميع الكائنات الدقيقة.
فبينما قد تنخفض الإصابات المرتبطة ببعض الأنواع، يمكن أن تشهد أنواع أخرى ارتفاعًا كبيرًا أو ظهور سلالات أكثر مقاومة للعلاج.
نقص المضادات الحيوية الجديدة يزيد التحديات
إلى جانب انتشار العدوى المقاومة للأدوية، يواجه قطاع الأدوية تحديًا آخر يتعلق بمحدودية تطوير مضادات حيوية جديدة.
وأشار التقرير إلى أن ارتفاع تكاليف البحث والتطوير دفع العديد من شركات الأدوية إلى الانسحاب من هذا المجال.
ويثير هذا التراجع مخاوف بشأن قدرة الأنظمة الصحية على مواجهة الجراثيم التي تكتسب مقاومة متزايدة للعلاجات الحالية.
فكلما ظهرت سلالات جديدة يصعب علاجها، ازدادت الحاجة إلى تطوير أدوية فعالة تستطيع التعامل معها.
لكن تطوير المضادات الحيوية يتطلب أبحاثًا علمية وتجارب مكلفة، ما يجعل استمرار الاستثمار في هذا القطاع تحديًا أمام الشركات والمؤسسات المعنية.
وتسعى دول ومنظمات مختلفة إلى إيجاد وسائل لتحفيز شركات الأدوية على العودة إلى تطوير مضادات الميكروبات.
وتبرز أهمية هذه الجهود في ضمان استمرار توفر خيارات علاجية جديدة مع تغير طبيعة التهديدات الصحية.
هل يمكن أن تساعد اللقاحات في مواجهة الجراثيم المقاومة؟
يعمل العلماء على تطوير استراتيجيات مختلفة للحد من تأثير الجراثيم الخارقة، من بينها البحث في إمكانية استخدام اللقاحات للوقاية من بعض أنواع العدوى.
ويمكن أن تسهم الوقاية من العدوى في تقليل الحاجة إلى استخدام المضادات الحيوية، وهو ما قد يساعد بدوره على الحد من الضغوط التي تسهم في ظهور المقاومة.
لكن اللقاحات لا تمثل حلًا شاملًا لجميع مسببات العدوى المقاومة للأدوية، كما أن تطوير مضادات ميكروبات جديدة يظل ضرورة أساسية.
وتتطلب مواجهة المشكلة الجمع بين الوقاية والعلاج والبحث العلمي، إلى جانب تحسين الاستخدام المسؤول للأدوية المتاحة.
ومن المهم أيضًا التمييز بين العدوى البكتيرية والفيروسية والفطرية، لأن المضادات الحيوية لا تعالج العدوى الفيروسية، ولا تصلح بالضرورة لعلاج الفطريات.
تحذيرات من 10 ملايين وفاة سنويًا بحلول 2050
تتجاوز المخاوف حدود الولايات المتحدة، إذ تشير التوقعات التي تناولها التقرير إلى احتمال وصول الوفيات العالمية المرتبطة بالعدوى المقاومة للأدوية إلى 10 ملايين حالة سنويًا بحلول عام 2050، إذا لم يتحقق تقدم جذري في مواجهة المشكلة.
ويمثل هذا الرقم سيناريو مستقبليًا تحذيريًا، وليس عدد الوفيات المسجلة حاليًا على المستوى العالمي.
وتعتمد مثل هذه التوقعات على افتراضات بشأن تطور مقاومة الأدوية ومدى نجاح التدخلات الصحية والبحثية خلال السنوات المقبلة.
ويحذر التقرير من أن استمرار المشكلة دون حلول فعالة قد ينعكس سلبًا على مجالات متعددة من الرعاية الصحية، نظرًا إلى أهمية الأدوية المضادة للميكروبات في علاج العدوى والوقاية من مضاعفاتها.
وبالنسبة إلى كندا، فإن هذه التحذيرات تبرز أهمية متابعة التطورات الدولية في مجال مقاومة مضادات الميكروبات، باعتبارها تحديًا صحيًا لا يتوقف عند الحدود الوطنية.
ولا تتضمن المعطيات الواردة في التقرير أرقامًا جديدة خاصة بعدد الإصابات أو الوفيات في كندا، ولذلك لا يمكن تعميم التقديرات الأمريكية على الوضع الكندي.
وفي ظل الارتفاع المسجل في بعض أنواع العدوى، واستمرار الحاجة إلى أدوية جديدة، تؤكد هذه التطورات أن مواجهة الجراثيم الخارقة أصبحت من التحديات الصحية الكبرى التي تتطلب تعاونًا بين الحكومات والمؤسسات الطبية والباحثين وشركات الأدوية.