هلا كندا – أوتاوا – الأربعاء 28 أكتوبر 2026 –
أبدى عدد من الوزراء في الحكومة الكندية شكوكًا كبيرة بشأن إمكانية توصل كندا والولايات المتحدة إلى اتفاق تجاري شامل، رغم تسارع وتيرة المحادثات بين البلدين خلال الأيام الأخيرة، في وقت يعتقد فيه بعض المسؤولين أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يريد التوصل إلى اتفاق تحت ضغط الانتخابات النصفية الأمريكية المرتقبة.
و الوزراء الذين أُطلعوا على تطورات المفاوضات لا يزالون غير مقتنعين بأن الإدارة الأمريكية مستعدة لتقديم التنازلات الضرورية لإنجاز اتفاق يراعي المصالح الكندية، لكنهم يرون أن الضغوط السياسية التي يواجهها ترامب قد تفتح نافذة محدودة أمام أوتاوا للحصول على تنازلات في ملفات تجارية أساسية.
ونقل التقرير عن أحد الوزراء، الذي لم يُكشف عن اسمه لأنه غير مخول بالحديث علنًا عن المفاوضات، قوله إن الفرصة الحالية قد تكون «الآن أو ربما لن تتكرر أبدًا»، في إشارة إلى ضرورة استغلال المرحلة الراهنة للضغط من أجل معالجة القضايا التي تعتبرها الحكومة الكندية خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها.
وتأتي رسوم السيارات الأمريكية في مقدمة هذه الملفات، خصوصًا أن تأثيرها يتجاوز العلاقات التجارية الثنائية ليصل إلى الولايات الأمريكية التي تشهد منافسة انتخابية حادة، ومن بينها ميشيغان، حيث يمثل قطاع السيارات جزءًا مهمًا من النشاط الاقتصادي والوظائف.
رسوم السيارات في قلب الخلاف
بحسب مصادر مطلعو لا تزال الرسوم المفروضة على قطاع السيارات من أصعب الملفات المطروحة على طاولة التفاوض، رغم وجود توقعات بإمكانية إحراز تقدم في قضايا أخرى.
وتشمل الخطوط الحمراء الكندية، إلى جانب الرسوم على السيارات، حماية اللغة الفرنسية والثقافة الكندية، والحفاظ على قدرة كندا على إقامة علاقات تجارية مع دول أخرى دون قيود أمريكية واسعة.
وقال مصدران للشبكة إنهما يتوقعان أن يكون ترامب مستعدًا للتحرك في ملفي اللغة والثقافة والقدرة الكندية على التجارة مع شركاء دوليين، لكنهما أشارا إلى أن الخلاف بشأن السيارات لا يزال العقبة الأكثر صعوبة أمام الوصول إلى تسوية.
وفي هذا السياق، أفاد وزيراْن بأن الرسالة الصادرة من مركز صنع القرار الحكومي في أوتاوا تتمثل في أن هناك فرصة متاحة للتفاوض مع الولايات المتحدة، مع التشديد على ضرورة الحفاظ على الانضباط وعدم تقديم تنازلات متسرعة.
لكن وزراء آخرين أبدوا تحفظات على منح ترامب أي مكسب سياسي قبل الانتخابات النصفية، خصوصًا في ظل استمرار تصريحاته الانتقادية تجاه كندا.
وتعكس هذه التصريحات، بحسب المصادر التي تحدثت إلى الشبكة، صعوبة بناء الثقة اللازمة لإبرام اتفاق تجاري طويل الأمد، في ظل استمرار الخطاب السياسي المتوتر حتى مع عودة الاتصالات بين الجانبين.
«الثقة انتهت» بعد انهيار المفاوضات في أغسطس
لم تقتصر مخاوف الوزراء الكنديين على طبيعة التنازلات التي قد تقدمها واشنطن، بل امتدت إلى مدى التزام الإدارة الأمريكية بأي اتفاق يتم التوصل إليه.
ونقل التقرير عن أحد الوزراء قوله إن «الثقة انتهت»، فيما عبّر مسؤولون آخرون عن تشككهم في إمكانية التوصل إلى اتفاق شامل بسبب ما وصفه أحدهم بوجود عدد كبير من الأطراف غير المتوقعة داخل فريق التفاوض الأمريكي، مقارنة بالمسؤولين الذين شاركوا في المفاوضات خلال الولاية الأولى لترامب.
وترتبط أزمة الثقة، بحسب أشخاص أُطلعوا على تطورات المحادثات، بالانهيار المفاجئ للمفاوضات في أغسطس الماضي.
ففي 22 أغسطس، وبعد أن فرضت الولايات المتحدة رسومًا إضافية، اتهم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني البيت الأبيض بشن «حرب» تجارية على كندا. كما استخدم تعبيرًا يشير إلى صعوبة الوثوق بالالتزامات الأمريكية، موحيًا بأن واشنطن قد توقع الاتفاقات بصورة لا تضمن تنفيذها على نحو ثابت.
وعندما سُئل كارني يوم الاثنين عن سبب اعتقاده أن ترامب سيلتزم هذه المرة باتفاق جديد، لم يقدم ضمانات بشأن ذلك، كما امتنع عن تحديد ما إذا كان يثق بالرئيس الأمريكي.
ولا يزال المسؤولون الكنديون، وفقًا للمصادر، غير متأكدين مما إذا كانت واشنطن تتعامل مع المفاوضات بجدية فعلية، أم أنها تسعى إلى إظهار تقدم سياسي أمام الناخبين الأمريكيين الغاضبين من الرسوم الجمركية والذين يطالبون بتخفيف أعبائها.
ويضع هذا الغموض الحكومة الكندية أمام معادلة صعبة: فالتوصل إلى اتفاق قد لا يضمن استمراره أو احترام شروطه مستقبلًا، في حين أن فشل المحادثات قد يؤدي إلى تفاقم الخلافات التجارية وزيادة الضغوط على الشركات والقطاعات المتضررة.
كارني: أي اتفاق يجب أن يخدم مصالح كندا أولًا
وفي حديثه إلى الصحفيين في مبنى البرلمان الكندي يوم الأربعاء، سُئل كارني عن سبب استمرار أوتاوا في بحث إمكانية التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، في وقت تشير فيه التصريحات المنقولة عن مسؤولين أمريكيين إلى احتمال تحميل كندا مسؤولية خسائر انتخابية محتملة للجمهوريين.
ورد رئيس الوزراء بأن كندا تسعى إلى اتفاقات تخدم مصالحها أولًا، مع إمكانية تحقيق فوائد للولايات المتحدة أيضًا.
وقال كارني إن بلاده ستواصل السعي إلى الاتفاقات التي تحقق هذه المصالح عندما تتاح الفرصة المناسبة، لكنه أوضح أن الوضع الحالي لم يصل بعد إلى تلك المرحلة.
وتعكس تصريحاته تمسك الحكومة الكندية بمواصلة المفاوضات، من دون تقديم التزام مسبق بقبول شروط أمريكية لم تتضح تفاصيلها بعد.
وفي الوقت نفسه، أقر وزراء بأن إقناع الكنديين بأي اتفاق مستقبلي قد يكون بالغ الصعوبة، خصوصًا أن الحكومة لم تهيئ الرأي العام بصورة واسعة لاحتمال استمرار بعض الرسوم الأمريكية حتى بعد التوصل إلى تسوية.
ويركز دور لوتنيك في الجولة الحالية على تطبيق الرسوم المفروضة بموجب المادة 232 من القانون التجاري الأمريكي، والتي تشمل قطاعات مثل الصلب والألومنيوم والسيارات، وهي ملفات تقع ضمن نطاق اختصاصه.
لكن اسم لوتنيك يرتبط أيضًا بتعثر الجولة السابقة من المفاوضات في أغسطس. فقد اعتبرته مصادر كندية في ذلك الوقت أحد العوامل التي أسهمت في انهيار المحادثات، بسبب المطالب الأمريكية التي طُرحت في اللحظات الأخيرة.
وأفادت ثلاثة مصادر مطلعة على المفاوضات الحالية بأنها لا تثق بلوتنيك، ما يضيف عقبة أخرى أمام بناء تفاهم مستقر بين الطرفين.
وبينما تتواصل الاتصالات وسط ضغوط الانتخابات الأمريكية، تواجه الحكومة الكندية مهمة مزدوجة تتمثل في محاولة انتزاع تنازلات بشأن الرسوم والقضايا السيادية، وتقييم ما إذا كانت أي تسوية محتملة ستوفر استقرارًا حقيقيًا للعلاقات التجارية.