هلا كندا – تورونتو – الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 – أنهى الكندي مايلز دينينيو، البالغ من العمر 40 عاماً والأب لطفلين من مقاطعة أونتاريو، رحلة ركض استمرت 148 يوماً عبر كندا.
قطع خلالها نحو 8 آلاف كيلومتر من نيوفاوندلاند إلى فانكوفر في بريتيش كولومبيا. ولم يكن هدفه مجرد اجتياز البلاد.
بل تسليط الضوء على قضايا الصحة النفسية وجمع التبرعات لمركز الإدمان والصحة النفسية (CAMH) في تورونتو. في رحلة تحولت إلى تجربة إنسانية عميقة تجاوزت توقعاته.
رحلة بدأت من تجربة شخصية مع الصحة النفسية
انطلق دينينيو من نيوفاوندلاند في الأول من أبريل، ووصل إلى فانكوفر في 22 أغسطس. بعد رحلة امتدت لما يقارب خمسة أشهر من الركض اليومي عبر البلاد.
وأوضح أن الدافع وراء هذا التحدي يرتبط بتجربته الشخصية مع الصحة النفسية.
مشيراً إلى أنه واجه صعوبات منذ طفولته، لكنه لم يكن يدرك في ذلك الوقت أنها قد تكون مرتبطة بمشكلات في الصحة النفسية.
وقال دينينيو إن نهاية الرحلة لم تمنحه الشعور بالإنجاز الذي كان يتوقعه.
مضيفاً أنه لا يزال يحاول فهم مشاعره بعد انتهاء هذا التحدي الطويل.
وأضاف أن الرحلة جعلته يعيد التفكير في معنى الإنجاز نفسه، بعدما اكتشف أن القيمة الحقيقية لما قام به لم تكن مرتبطة فقط بالمسافة التي قطعها أو بالمبلغ الذي جمعه.
148 يوماً من الإرهاق والصراع النفسي
لم تكن الرحلة اختباراً للقدرة البدنية فحسب، بل تطلبت أيضاً مواجهة الإرهاق والعزلة والضغوط النفسية المصاحبة للركض لمسافات طويلة يومياً.
واستعاد دينينيو لحظات شعر فيها برغبة في التوقف، قائلاً إنه فكر في التخلي عن الرحلة نحو 50 مرة أثناء وجوده على جانب الطريق، لكنه لم ينفذ تلك الفكرة.
ومع مرور الوقت، بدأت الرحلة تكتسب معنى مختلفاً، خصوصاً مع انضمام أشخاص غرباء إليه خلال بعض المقاطع، لتقديم الدعم والتشجيع ومشاركته أجزاء من الطريق.
كما توقف أشخاص آخرون للحديث معه عن تجاربهم مع الصحة النفسية، وكشف بعضهم عن معاناة شخصية مؤلمة وصعوبات لم يكن من السهل الحديث عنها.
وقال دينينيو إن الاستماع إلى هذه القصص كان مؤثراً للغاية، لكنه شعر في البداية بثقل ما يشاركه الآخرون معه.
قبل أن يدرك تدريجياً أهمية توفير مساحة آمنة يستطيع فيها الناس التعبير عن تجاربهم دون الشعور بالعزلة.
أكثر من 50 ألف دولار لصالح مركز CAMH
نجح دينينيو، بحلول وصوله إلى ساحل المحيط الهادئ، في جمع أكثر من 50 ألف دولار لصالح مركز الإدمان والصحة النفسية في تورونتو.
وهو من المؤسسات الكندية المعروفة في مجالي البحث والعلاج في الصحة النفسية.
ومع ذلك، قال إن الأثر الإنساني للمحادثات التي أجراها على طول الطريق أصبح أكثر أهمية بالنسبة إليه من حصيلة التبرعات المالية.
وأوضح أنه لم يعد ينظر إلى جمع الأموال باعتباره الهدف الأساسي، بعدما أدرك عدد الأشخاص الذين استطاع الوصول إليهم والتواصل معهم من خلال رحلته.
وقال: «لم يعد جمع التبرعات هو الأهم بالنسبة إليّ بعدما أدركت عدد الأشخاص الذين تمكنت من الوصول إليهم. كان ذلك أكثر قيمة من أي مبلغ مالي».
وساعدته هذه التجارب على فهم أن الحديث عن الصحة النفسية قد يكون بحد ذاته خطوة مهمة.
خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين يواجهون صعوبات ويجدون صعوبة في مشاركة ما يشعرون به مع الآخرين.
ماذا يعني ذلك للمقيمين في كندا؟
تسلط تجربة دينينيو الضوء على أهمية المبادرات المجتمعية في رفع الوعي بالصحة النفسية ودعم المؤسسات التي تقدم خدمات العلاج والبحث في هذا المجال.
وبالنسبة إلى العائلات والقادمين الجدد والطلاب في كندا، تحمل قصته رسالة مفادها أن الشعور بالوحدة أثناء مواجهة الضغوط النفسية لا يعني أن الشخص مضطر إلى التعامل معها بمفرده. وأن مشاركة التجارب مع شخص مستعد للاستماع قد تكون خطوة مهمة.
كما تبرز الرحلة دور التبرعات والمبادرات الفردية في مساندة المؤسسات المتخصصة، إذ تمكن دينينيو من جمع أكثر من 50 ألف دولار لصالح مركز CAMH، إلى جانب تشجيع أشخاص على الحديث عن تجاربهم الشخصية.
ولا تقتصر أهمية المبادرة على المسافة التي قطعها. بل تمتد إلى النقاشات التي أثارتها حول الصحة النفسية وضرورة توفير بيئة يشعر فيها الأفراد بالقدرة على طلب الدعم والتعبير عن معاناتهم.
رسالة تستمر بعد خط النهاية
عاد دينينيو إلى منزله في أونتاريو، لكنه لا يزال يحاول استيعاب تجربة استمرت قرابة خمسة أشهر. آملاً أن تستمر رسالتها حتى بعد توقفه عن الركض.
وقال إن أحد أكبر التحديات المرتبطة بمشكلات الصحة النفسية هو شعور الإنسان بأنه وحيد في مواجهة ما يمر به.
مشدداً على أهمية تذكير الناس بأن هناك دائماً من يمكنه الاستماع إليهم.
وأضاف: «أعتقد أننا جميعاً بحاجة إلى معرفة أننا لسنا وحدنا، وأن هناك دائماً شخصاً مستعداً للاستماع».
وبالنسبة إلى دينينيو، لم تكن الرحلة مجرد عبور كندا من ساحل إلى آخر. بل محاولة لإيصال رسالة مفادها أن الأشخاص الذين يواجهون أصعب لحظاتهم ليسوا مضطرين إلى خوض معاركهم بمفردهم.


