هلا كندا – فانكوفر – مع دخول فصل الشتاء، يستعد سكان بريتش كولومبيا وألبرتا ومانيتوبا وأجزاء من أونتاريو للتعامل مع نظام توقيت جديد لا يتطلب إعادة الساعة إلى الوراء، بعد سنوات من الجدل بشأن التأثيرات الصحية لتغيير التوقيت مرتين سنويًا.
ورغم الترحيب الشعبي بالتخلص من هذه الممارسة، يرى باحثون متخصصون في النوم أن اختيار التوقيت الصيفي الدائم قد لا يكون القرار الأفضل من الناحية الصحية.
ويبدو أن المشكلة لا تكمن فقط في إلغاء تغيير الساعة، وإنما في نوع التوقيت الذي تقرر اعتماده طوال العام.
ويؤكد الخبراء أن التوقيت القياسي الدائم أكثر انسجامًا مع الساعة البيولوجية للإنسان مقارنة بالتوقيت الصيفي الدائم.
تأييد شعبي واسع لإنهاء تغيير الساعة
شهدت بريتش كولومبيا نقاشًا طويلًا بشأن التوقف عن تقديم الساعة وتأخيرها مرتين سنويًا.
وفي استطلاع عام أُجري عام 2019، أيد 93% من المشاركين إلغاء التغيير الموسمي للتوقيت.
وجاء هذا التأييد بعد سنوات من الشكاوى المتعلقة باضطرابات النوم والإرهاق المصاحبين لتعديل الساعة، إلى جانب المخاوف بشأن حوادث المرور والمشكلات الصحية.
لكن ويندي هول، الأستاذة الفخرية في كلية التمريض بجامعة بريتش كولومبيا، ترى أن السلطات اختارت الحل غير المناسب.
وقالت إن الأفضل كان إعادة الساعة إلى الوراء مرة أخيرة خلال الخريف، ثم اعتماد التوقيت القياسي بصورة دائمة.
وترى هول أن الرغبة الشعبية في الاستفادة من ساعات إضافية من الضوء خلال المساء، إلى جانب سعي السياسيين للاستجابة لهذه الرغبة، طغت على التوصيات الصحية التي قدمها الباحثون.
لماذا يفضل العلماء التوقيت القياسي؟
يوضح المتخصصون أن جسم الإنسان يعتمد على ساعة بيولوجية داخلية تنظم مواعيد النوم والاستيقاظ.
وتتأثر هذه الساعة بصورة كبيرة بالتعرض للضوء الطبيعي، خصوصًا خلال ساعات الصباح.
وقال رالف ميستلبرغر، أستاذ علم النفس في جامعة سايمون فريزر والمشارك في إعداد ورقة بحثية حديثة نشرتها المجلة الطبية الكندية Canadian Medical Association Journal، إن الساعة الداخلية تؤدي دورًا أساسيًا في تحديد الأوقات التي يشعر فيها الإنسان بالنعاس أو اليقظة.
وأضاف أن هذه الآليات البيولوجية تجعل النوم أسهل خلال الليل والاستيقاظ أسهل خلال النهار.
ويرى الباحثون أن التوقيت القياسي يتوافق بصورة أفضل مع هذه العمليات الطبيعية، بينما قد يؤدي التوقيت الصيفي الدائم إلى تأخير التعرض لضوء الصباح.
شروق الشمس قد يتأخر حتى التاسعة صباحًا
من أبرز نتائج اعتماد التوقيت الصيفي الدائم أن شروق الشمس سيحدث متأخرًا بساعة على الساعة الرسمية مقارنة بالتوقيت القياسي.
وفي بعض مناطق بريتش كولومبيا، قد يقترب موعد الشروق من التاسعة صباحًا خلال أكثر أشهر السنة ظلامًا.
ويعني ذلك أن كثيرًا من الموظفين والطلاب قد يغادرون منازلهم قبل ظهور ضوء النهار.
ورغم أن تأخير الغروب يوفر مزيدًا من الضوء بعد انتهاء العمل أو الدراسة، فإن الخبراء يشددون على أن ضوء الصباح يؤدي وظيفة مهمة في ضبط الساعة البيولوجية.
وحذرت هول من أن نقص التعرض للضوء في الصباح قد يؤخر الإيقاع الطبيعي المرتبط بإفراز هرمون الميلاتونين، الذي يساعد الجسم على الاستعداد للنوم.
وقد يؤدي ذلك إلى عدم التوافق بين الساعة الداخلية للجسم والمواعيد المفروضة للعمل أو الدراسة.
ويعرف هذا الاختلال باسم اضطراب التوقيت الاجتماعي، أو Social Jet Lag.
مخاوف من الإرهاق والسكري وأمراض القلب
أوضح ميستلبرغر أن تأخر الساعة البيولوجية قد يجعل الأشخاص أقل يقظة عند الاستيقاظ، خصوصًا عندما يضطرون إلى النهوض مبكرًا رغم عدم حصولهم على نوم كافٍ.
ومع استمرار نقص النوم واختلال الإيقاع اليومي، قد ترتفع احتمالات الإصابة بمشكلات صحية مزمنة.
وأشار إلى أن هذه المشكلات يمكن أن تشمل السمنة والسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية.
ولا يعني ذلك أن اعتماد التوقيت الصيفي الدائم سيؤدي بالضرورة إلى إصابة السكان بهذه الأمراض، وإنما أن اضطراب النوم المستمر يمثل عاملًا صحيًا يستحق الاهتمام.
ويؤكد الباحثون أن تأثير التغيير لن يكون متساويًا بين الجميع، إذ يعتمد بدرجة كبيرة على مواعيد الاستيقاظ والعمل والتعرض للضوء الطبيعي.
المراهقون والأطفال الأكثر عرضة للتأثر
يعتقد خبراء النوم أن المراهقين قد يكونون من أكثر الفئات تأثرًا بالصباحات المظلمة.
وأوضح ميستلبرغر أن المراهقين يميلون بطبيعتهم إلى النوم والاستيقاظ في أوقات متأخرة، وهي ظاهرة ترتبط جزئيًا بالتغيرات البيولوجية خلال هذه المرحلة العمرية.
وأشار إلى أن هذا الميل قد يستمر خلال سنوات المراهقة قبل أن يبدأ بالتراجع في أوائل العشرينيات.
ومع تأخر شروق الشمس، قد يصبح الاستيقاظ المبكر للمدرسة أكثر صعوبة بالنسبة إلى بعض الطلاب.
ولا تقتصر آثار نقص النوم على التحصيل الدراسي، بل يمكن أن تمتد إلى الحالة المزاجية والقدرة على اتخاذ القرارات.
كما أثار الخبراء مخاوف تتعلق بسلامة الأطفال الذين يتوجهون إلى المدارس قبل شروق الشمس، وكذلك الموظفين الذين يتنقلون في الظلام خلال ساعات الصباح.
كيف يمكن التكيف مع التوقيت الجديد؟
قدم ميستلبرغر مجموعة من التوصيات التي قد تساعد على تقليل تأثير نقص ضوء الصباح.
ومن أبرزها التعرض لإضاءة قوية بعد الاستيقاظ، مع تقليل التعرض للضوء الساطع خلال ساعات المساء.
وأشار إلى إمكانية الاستفادة من صناديق الإضاءة المستخدمة في بعض حالات الاضطراب العاطفي الموسمي، خصوصًا للأشخاص الذين يضطرون إلى الاستيقاظ قبل شروق الشمس.
كما أوصى باستخدام إضاءة أكثر دفئًا وخفوتًا خلال المساء، للمساعدة على الاستعداد للنوم.
واقترح أيضًا أن تعتمد المدارس وأماكن العمل أنظمة إضاءة ذكية توفر ضوءًا أكثر سطوعًا في بداية اليوم.
ومن الحلول التي يدعو إليها تأخير موعد بدء الدراسة ساعة واحدة، بهدف تقليل آثار الاستيقاظ المبكر على المراهقين.
هل تتراجع المقاطعات عن القرار؟
يرى ميستلبرغر أن التجربة الجديدة ستكشف مدى قدرة السكان على التكيف مع التوقيت الصيفي الدائم.
وأشار إلى أن بعض الأشخاص قد لا يلاحظون تغيرًا كبيرًا، خصوصًا إذا كانت مواعيد استيقاظهم تأتي بعد شروق الشمس حتى خلال أقصر أيام الشتاء.
لكن هول أعربت عن شكوكها في استمرار بريتش كولومبيا في اعتماد النظام الجديد لفترة طويلة.
وتوقعت أن تعيد السلطات النظر في القرار بعد عام تقريبًا، إذا ظهرت شكاوى واسعة بشأن تأثيره على الأطفال والمراهقين.
وبينما ينظر كثيرون إلى إنهاء تغيير الساعة باعتباره خطوة مريحة، يعتقد الباحثون أن التحدي الحقيقي سيكون في تحقيق التوازن بين الرغبة في الحصول على ضوء إضافي مساءً والحاجة البيولوجية إلى ضوء الشمس صباحًا.