هلا كندا – تبدو كندا هدفًا غير متوقع لحرب تجارية أمريكية، رغم العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين البلدين.
وتعد كندا أكبر مشترٍ للسلع الأمريكية عالميًا، كما تمثل ثاني أكبر سوق للصادرات الزراعية الأمريكية بعد المكسيك.
ويضمن اتفاق التجارة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك دخول معظم المنتجات الأمريكية إلى كندا دون رسوم جمركية.
كما تصنف كندا عادة ضمن أكثر الاقتصادات انفتاحًا على التجارة العالمية.
لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرى أن كندا تستغل الولايات المتحدة وتضر بصناعاتها.
وقال ترامب الشهر الماضي إن كندا من «أسوأ المستغلين» للولايات المتحدة.
وأضاف أن كندا استفادت من الولايات المتحدة لعقود، مؤكدًا أن ذلك سيتوقف.
وتدهورت العلاقات بين البلدين منذ انهيار المفاوضات التجارية في 21 أغسطس، وصعّد ترامب هجومه على القادة الكنديين، وكرر وصف كندا بأنها دولة ضعيفة.
كما أثار غضب الكنديين مجددًا باقتراحه تحويل كندا إلى الولاية الأمريكية رقم 51.
ووقع أيضًا أمرًا تنفيذيًا يوجه الحكومة الأمريكية إلى تغيير اسم بحيرة أونتاريو إلى «بحيرة أمريكا».
رسوم أمريكية بنسبة 50 في المئة
فرض ترامب الشهر الماضي رسومًا جمركية بنسبة 50 في المئة على منتجات كندية بقيمة 20 مليار دولار.
وبرر القرار باتهام كندا بالتمييز ضد صادرات السيارات ومنتجات الألبان والمشروبات الكحولية الأمريكية.
وردت أوتاوا برسوم مضادة، ما دفع ترامب إلى تصعيد جديد.
وهدد بمنع الشركات الكندية من الحصول على عقود حكومية في الولايات المتحدة.
كما هدد بحظر بعض المنتجات الكندية، بينها الدراجات النارية وبعض منتجات الألبان ومعظم المشروبات الكحولية.
ويمثل ذلك تحولًا حادًا بالنسبة لكندا، التي تعتمد بشكل كبير على التجارة الدولية.
وتعادل التجارة نحو 64 في المئة من الناتج الاقتصادي الكندي، مقابل 25 في المئة للاقتصاد الأمريكي.
وصنفت مؤسسة هيريتيج كندا في المرتبة 14 عالميًا من أصل 184 اقتصادًا في مؤشر الحرية الاقتصادية.
وجاءت الولايات المتحدة في المرتبة 22 في المؤشر نفسه، كما وضع معهد فريزر الكندي كندا في المرتبة 11 من أصل 165 دولة وإقليمًا.
وقبل التصعيد الأخير، بلغ متوسط الرسوم الكندية الفعلية على الواردات الأمريكية نحو 2.4 في المئة.
وكان هذا المعدل أقل من نصف الرسوم الأمريكية البالغة 5 في المئة على المنتجات الكندية.
وتدخل معظم الصادرات الأمريكية إلى كندا دون رسوم بموجب اتفاقية التجارة بين الدول الثلاث.
كندا تحمي قطاع الألبان
رغم انفتاح الاقتصاد الكندي، تحمي الحكومة بعض القطاعات المحلية من المنافسة الأجنبية.
ويصف باري أبلتون، المدير المشارك لمركز القانون الدولي في كلية نيويورك للحقوق، كندا بأنها اقتصاد محمي بشكل محدود.
ويشير إلى وجود قطاعين أو ثلاثة قطاعات مغلقة أمام المنافسة الخارجية بدرجة كبيرة.
وتعد صناعة الألبان أبرز هذه القطاعات.
وتفرض كندا رسومًا جمركية تتجاوز 200 في المئة على معظم منتجات الألبان بعد تجاوز حصص الاستيراد.
وتقترب الرسوم على بعض المنتجات، مثل الزبدة، من 300 في المئة.
ويرى ليونارد بولزين، المتخصص في أسواق الألبان بجامعة ويسكونسن، أن كندا تحمي قطاعًا حساسًا سياسيًا.
وتنتج ولاية ويسكونسن وحدها كمية من الحليب تفوق إنتاج كندا بأكملها.
ويقول بولزين إن فتح السوق الكندية بالكامل أمام المنتجات الأمريكية قد يهدد بقاء الصناعة المحلية.
لكن تصريحات ترامب بأن كندا تمنع المزارعين الأمريكيين من بيع منتجاتهم في السوق الكندية ليست دقيقة.
فقد وافقت الولايات المتحدة ضمن اتفاقية التجارة الجديدة على استمرار نظام إدارة الإمدادات الكندي.
وفي المقابل، حصل منتجو الألبان الأمريكيون على وصول أكبر إلى السوق الكندية.
وارتفعت صادرات الألبان الأمريكية إلى كندا بأكثر من 11 في المئة العام الماضي.
وجاء ذلك بعد زيادة بلغت 8 في المئة خلال عام 2024، كما تحقق الولايات المتحدة فائضًا كبيرًا في تجارة الألبان مع كندا.
وبلغت صادرات الألبان الأمريكية إلى كندا 1.3 مليار دولار العام الماضي.
في المقابل، بلغت واردات الولايات المتحدة من منتجات الألبان الكندية نحو 585 مليون دولار.
النفط يفسر العجز التجاري الأمريكي
يسجل الميزان التجاري الأمريكي عجزًا مع كندا، بلغ 27.3 مليار دولار العام الماضي.
لكن السبب الرئيسي لهذا العجز يعود إلى قطاع النفط.
وصَدّرت كندا أكثر من 85 مليار دولار من النفط الخام إلى الولايات المتحدة خلال 2025.
وتحتاج مصافي النفط في منطقة الغرب الأوسط الأمريكي إلى الخام الثقيل القادم من الرمال النفطية في ألبرتا.
وتصمم بعض المصافي الأمريكية خصيصًا لمعالجة هذا النوع من النفط.
ويشير أبلتون إلى أن تغيير هذه المصافي لمعالجة أنواع أخرى سيحتاج إلى سنوات ومليارات الدولارات.
كما يباع النفط الكندي عادة بسعر أقل من الخام الأمريكي القياسي.
مصالح مشتركة قد تنهي المواجهة
تعتمد الدولتان على بعضهما اقتصاديًا بدرجة كبيرة، وترسل كندا نحو 70 في المئة من صادراتها إلى الولايات المتحدة.
وتحتاج المصافي الأمريكية إلى نفط ألبرتا، بينما يحتاج المزارعون الأمريكيون إلى أسمدة البوتاس الكندية.
كما تعتمد مجتمعات أمريكية قرب الحدود الشمالية على الكهرباء المنتجة في كندا.
ويرى خبراء أن هذه المصالح المشتركة قد تدفع البلدين إلى العودة للمفاوضات.
وأشارت إينو ماناك، الباحثة في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، إلى عامل مهم.
فالحظر الأمريكي على بعض المنتجات الكندية لن يدخل حيز التنفيذ قبل 29 سبتمبر.
وهذا يمنح البلدين فترة إضافية لمحاولة التوصل إلى اتفاق، وقالت ماناك إن هناك احتمالًا لوجود مخرج من الأزمة خلال هذه الفترة.
وأكد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن بلاده ما زالت منفتحة على التوصل إلى اتفاق، وقال إن كندا مستعدة دائمًا لإبرام صفقة عادلة.
في المقابل، يضغط ترامب ومفاوضوه للحصول على تنازلات كندية في قطاع التصنيع.
ويطالب الجانب الأمريكي بنقل جزء من التصنيع الكندي إلى الولايات المتحدة، لكن هذا المطلب يواجه رفضًا قويًا في أوتاوا.
وترى ماناك أن كندا لن تجد سببًا للتعاون إذا كان الهدف الأمريكي هو الاستحواذ على وظائفها وصناعاتها.
مستقبل اتفاق التجارة مهدد
ويرى أبلتون أن المواجهة الحالية تهدد اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وساهمت الاتفاقية في بناء صناعة سيارات متكاملة تمتد عبر الدول الثلاث.
ويحذر خبراء من أن استمرار الخلاف قد يضر بسلاسل الإمداد والصناعات في أمريكا الشمالية.
وقد تدفع المصالح الاقتصادية المشتركة البلدين في النهاية إلى العودة لطاولة المفاوضات.


