هلا كندا – أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في سبتمبر 2025 اعتراف كندا رسمياً بدولة فلسطين، وربط القرار بالتزامات إصلاحية قدمتها السلطة الفلسطينية.
وقال كارني آنذاك إن الاعتراف استند إلى تعهد السلطة الفلسطينية بتنفيذ إصلاحات وصفها بأنها ضرورية.
وأوضح أنه تلقى هذه الالتزامات في رسالة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ثم ناقشها معه خلال اتصال هاتفي.
لكن مجلس الملكة الخاص الكندي رفض نشر الرسالة، مشيراً إلى ضرورة احترام العلاقات الدبلوماسية الدولية.
وشملت الإصلاحات التي طالبت بها كندا ملفات الحكم والانتخابات ونزع السلاح وإصلاح المناهج التعليمية.
وبعد مرور نحو عام على الاعتراف، لا تزال عدة تساؤلات مطروحة بشأن مدى تنفيذ هذه الالتزامات.
إصلاح نظام الحكم
تعهد الرئيس محمود عباس بإجراء إصلاحات جوهرية في نظام الحكم التابع للسلطة الفلسطينية.
وأكدت كندا أيضاً ضرورة عدم مشاركة حركة حماس في أي حكومة فلسطينية مستقبلية.
وقالت السفيرة الفلسطينية لدى كندا، فداء عبد الهادي، إن إصلاحات واسعة يجري تنفيذها بهدف تعزيز الديمقراطية.
لكنها أشارت إلى أن استمرار العنف والظروف الإنسانية الصعبة يحدان من قدرة السلطة الفلسطينية على تحقيق المزيد.
وقدمت البعثة الفلسطينية تقريراً صادراً عن وزارة المالية الفلسطينية في يوليو الماضي.
وقال التقرير إن السلطة الفلسطينية نفذت 30 إصلاحاً من أصل 33 إصلاحاً قانونياً واجتماعياً تعهدت بها خلال 18 شهراً.
وشملت الإصلاحات تعزيز سيادة القانون وتحديث التشريعات المتعلقة بالاستثمار.
لكن التقرير أشار إلى أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة تعرقل تمويل الخدمات الاجتماعية والإصلاحات الإضافية.
الانتخابات لا تزال مؤجلة
تعهدت السلطة الفلسطينية بإجراء انتخابات عامة خلال عام 2026، وفقاً لما أعلنه كارني.
وأكدت كندا أن حركة حماس لن تشارك في هذه الانتخابات، وكان آخر اقتراع عام فلسطيني قد جرى عام 2006.
وتسيطر حركة فتح على أجزاء من الضفة الغربية، بينما تسيطر حماس على قطاع غزة منذ عام 2007.
وقالت السلطة الفلسطينية إنها لن تتمكن من إجراء انتخابات عامة إلا بعد عام من انتهاء الحرب في غزة بشكل كامل.
كما اشترطت إمكانية إجراء الانتخابات في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وأجرت السلطة الفلسطينية انتخابات محلية محدودة في مدينة دير البلح بقطاع غزة خلال أبريل الماضي.
ملف نزع السلاح
أكد كارني أن السلطة الفلسطينية تعهدت بالعمل على نزع سلاح الدولة الفلسطينية المستقبلية.
وأوضح مسؤولون كنديون أن هذا الملف يشمل أيضاً إصلاح نظام المساعدات المالية للأسر الفلسطينية.
وفي فبراير 2025، أعلن الرئيس محمود عباس وقف نظام المخصصات المالية المرتبطة بالسجناء الفلسطينيين والقتلى.
واستُبدل النظام ببرنامج موحد للمساعدات الاجتماعية يحمل اسم «تمكين»، ويعتمد البرنامج الجديد على الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية للعائلات.
وتقول إسرائيل إن النظام السابق، الذي تصفه بسياسة «الدفع مقابل القتل»، لا يزال مستمراً بصورة مختلفة.
لكن السلطة الفلسطينية تؤكد أن مراجعة مستقلة أظهرت إلغاء النظام السابق إلى حد كبير.
وأثار هذا التغيير جدلاً داخل الضفة الغربية بين مؤيد ومعارض.
كما أكدت السلطة الفلسطينية أن نزع السلاح يتطلب ضمانات أمنية تمنع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية.
المناهج التعليمية تحت التدقيق
يشكل إصلاح المناهج التعليمية أحد الملفات الرئيسية المرتبطة بالتعهدات الفلسطينية.
وانتقد تقرير صادر عن مؤسسة إسرائيلية متخصصة بعض المناهج والكتب التعليمية الفلسطينية.
وزعم التقرير أن بعض المواد تمجد العنف أو تقدم روايات اعتبرها معادية لإسرائيل.
كما أشار إلى عدم تناول محرقة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية في المناهج الفلسطينية.
لكن المناهج الإسرائيلية واجهت بدورها انتقادات سابقة.
وأشارت دراسة أجرتها الجامعة العبرية عام 2012 إلى وجود صور نمطية سلبية عن العرب في بعض الكتب المدرسية الإسرائيلية.
إسرائيل تنتقد الاعتراف الكندي
عارضت الحكومة الإسرائيلية بشدة قرار كندا الاعتراف بدولة فلسطين.
وقال السفير الإسرائيلي لدى كندا إيدو مويد إن السلطة الفلسطينية لم تحقق تقدماً كافياً في الإصلاحات المطلوبة.
وانتقد غياب جدول زمني واضح لإجراء الانتخابات العامة.
ورفض مويد تحميل إسرائيل مسؤولية تعثر تنفيذ الإصلاحات داخل السلطة الفلسطينية.
وأكد أن السلطة الفلسطينية تحظى بدعم دولي يسمح لها، حسب رأيه، بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
هل أصبحت الإصلاحات شرطاً للاعتراف؟
يرى بعض الخبراء أن ربط الاعتراف الكندي بالإصلاحات قد يخلق شروطاً متحركة أمام الفلسطينيين.
وقال الباحث جيريمي وايلدمان من جامعة أوتاوا إن التركيز يجب أن ينصب على الظروف التي تعيق قدرة الفلسطينيين على إدارة مؤسساتهم.
ودعا إلى معالجة القيود التي تواجه السلطة الفلسطينية بدلاً من التركيز فقط على الإصلاحات الداخلية.
من جهتها، رأت أستاذة القانون في جامعة يورك هايدي ماثيوز أن الدعم الكندي للإصلاحات يمكن تفسيره بصورة مختلفة.
وقالت إن هذه الخطوة قد تمثل محاولة لدعم قدرة المؤسسات الفلسطينية على ممارسة وظائف الدولة.
وأضافت أن الاعتراف بالدولة يجب أن يترافق مع دعم فعلي لبناء المؤسسات الحكومية.
وأشارت إلى أن هذا التوجه قد يمثل تحولاً عن الاعتماد التقليدي على المساعدات الإنسانية فقط.
مستقبل العلاقات الفلسطينية الكندية
لا تزال الإصلاحات الفلسطينية تمثل جزءاً مهماً من السياسة الكندية تجاه الدولة الفلسطينية.
وفي الوقت نفسه، يختلف المراقبون حول ما إذا كانت هذه الإصلاحات شروطاً للاعتراف أم جهوداً لدعم بناء الدولة.
كما تستمر الخلافات حول المسؤولية عن تأخر الانتخابات والإصلاحات في ظل الحرب والظروف الأمنية والاقتصادية.
وتبقى قدرة السلطة الفلسطينية على تنفيذ تعهداتها مرتبطة بالتطورات السياسية والميدانية في الأراضي الفلسطينية.


