بقلم: هيثم حمد
رئيس تحرير هلا كندا
تشهد الجالية العربية في كندا تحولاً ديموغرافياً واستراتيجياً غير مسبوق مع حلول عام 2026، حيث تشير التقديرات إلى أن عدد العرب في كندا تجاوز حاجز 1.5 مليون نسمة، ليشكلوا نحو 4% من إجمالي السكان. وتتصدر مقاطعة أونتاريو قائمة الوجهات المفضلة بنسبة تزيد عن 40% من إجمالي الجالية، تليها كيبيك التي تستقطب الفرانكوفون العرب، ثم ألبرتا ونوفا سكوشا. وتعد مدن تورنتو، مونتريال، أوتاوا، وميسيساجا مراكز حيوية لهذا الوجود، حيث تبرز أحياء وتجمعات عربية متكاملة تعكس ثقافة المنطقة وتساهم في إغناء التنوع الكندي.
على الصعيد الاقتصادي، لم يعد الوجود العربي مقتصراً على المهن التقليدية، بل انتقل بقوة إلى ريادة الأعمال والاستثمارات الكبرى. ومن خلال لقاءاتي المستمرة مع رجال أعمال عرب في ميسيساجا وهاملتون، لمست طموحاً يتجاوز السوق المحلي؛ فالكثير منهم اليوم يمثلون جسراً تجارياً بين كندا ومنطقة الخليج العربي التي تشهد تقارباً اقتصادياً كبيراً مع الحكومة الكندية حالياً. إن نجاح الشركات العربية في قطاعات التكنولوجيا، العقارات، والأغذية أصبح علامة فارقة تساهم بمليارات الدولارات في الناتج المحلي الإجمالي الكندي، مما يثبت أننا قوة اقتصادية لا يستهان بها.
أما في المشهد السياسي، فقد أصبح الصوت العربي رقماً صعباً في الانتخابات الكندية. إن انخراط العرب في العمل العام لم يعد يقتصر على التصويت، بل برزت أسماء عربية قوية في البرلمان الفيدرالي ومناصب وزارية حساسة، والتي تعد مثالاً حياً لهذا النجاح. ومن خلال نقاشاتي مع مسؤولين كنديين، هناك اعتراف متزايد بأن الجالية العربية هي الأكثر حراكاً وتأثيراً في صياغة السياسات الخارجية والداخلية، خاصة في القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان والهجرة والتجارة الدولية، مما يعكس نضجاً سياسياً كبيراً وصلنا إليه كجالية.
التحديات التي واجهتها خلال تعاملاتي مع صناع القرار في أوتاوا تؤكد أن الحكومة الكندية تنظر للجالية العربية كشريك استراتيجي في خطة “التنوع الاقتصادي” لعام 2026. لقد سمعت من وزراء وممثلين حكوميين إشادات واسعة بقدرة الكفاءات العربية على سد فجوات المهارات في مجالات الرعاية الصحية والهندسة الذكية. هذا التقدير الحكومي يفتح الأبواب أمام شبابنا ليس فقط للحصول على وظائف، بل لقيادة مؤسسات حكومية كبرى، وهو ما نراه يتحقق فعلياً مع تزايد أعداد المستشارين والمديرين التنفيذيين من أصول عربية في القطاع العام.
شخصياً، أرى أننا نعيش اليوم “العصر الذهبي” للوجود العربي في كندا؛ فبين نجاحات رجال الأعمال الذين بدأوا من الصفر وبنوا إمبراطوريات تجارية، وبين السياسيين الذين يدافعون عن قضايا المجتمع في أروقة البرلمان، تُرسم ملامح مستقبل واعد. إن تجاربي في “هلا كندا” أثبتت لي أن القصص التي نغطيها يومياً ليست مجرد أخبار، بل هي توثيق لرحلة كفاح تكللت بالنجاح، حيث تحولنا من “قادمين جدد” يبحثون عن الأمان، إلى “مواطنين فاعلين” يساهمون في بناء كندا القوية والمزدهرة.
ختاماً، نحن اليوم أمام مسؤولية كبيرة للحفاظ على هذا المكتسب وزيادة فعاليته. إن التجمعات العربية في كندا لم تعد مجرد أماكن للسكن، بل هي بؤر للإبداع والتأثير السياسي والاقتصادي. ومهمتنا كإعلام وكقادة رأي هي الاستمرار في تسليط الضوء على هذه النماذج المشرفة، ودفع المزيد من العرب للانخراط في الشأن العام، لضمان أن تظل بصمتنا واضحة ومستدامة في مسيرة هذا الوطن الذي احتضن أحلامنا وحولها إلى واقع ملموس.


