بقلم هيثم حمد
رئيس تحرير شبكة هلا كندا الإعلامية
تورونتو – كندا – تكتسب الزيارة التاريخية التي يقوم بها رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، إلى المملكة العربية السعودية أبعاداً تتجاوز بروتوكولات اللقاءات الثنائية؛ لتسجل منعطفاً ديبلوماسياً واقتصادياً هائلاً كأول زيارة لرئيس حكومة كندية إلى السعودية منذ أكثر من ربع قرن. هذه الخطوة الجريئة تعلن رسمياً وفاة حقبة “الديبلوماسية الاستعراضية” القائمة على الشعارات الجوفاء، والتحول نحو واقعية سياسية ناضجة طال انتظارها.
دعونا نسمي الأشياء بمسمياتها؛ إن حالة الجمود والقطيعة الديبلوماسية التي بدأت عام 2018 بين أوتاوا والرياض، والتي افتعلها رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو، لم تخدم أحداً على الإطلاق. لم تحمِ ناشطاً، ولم تعزز حقوق إنسان، بل كان نتاجها الوحيد هو عزل كندا تماماً عن عاصمة القرار وثقل الاستقرار في الشرق الأوسط. اليوم، يأتي الرد العملي برقم يحمل دلالات عميقة: مليار دولار هي قيمة الاتفاقيات الاستراتيجية الموقع عليها في مجالات التكنولوجيا والمعادن الحيوية خلال هذه الزيارة.
في عالم اليوم، المصالح المشتركة والبراغماتية هي المرتكز الأساسي للعلاقات الدولية. كندا اليوم، لاسيما بعد الانهيار الصادم لشراكتها الأزلية والتقليدية مع الولايات المتحدة، تجد نفسها مجبرة على إعادة ابتكار سياستها الخارجية، وبناء شبكة تحالفات دولية جديدة، وتسويق مقدراتها الاقتصادية بعيداً عن الوصاية الجغرافية.
خلال السنوات الأخيرة، حظيت بفرصة زيارة المملكة العربية السعودية عدة مرات، وتحدثت مطولاً مع العديد من المغتربين الكنديين والغربيين الذين يعيشون هناك. وأجزم بكل ثقة، أن النظرة الغربية النمطية السائدة تجاه السعودية باتت إرثاً من الماضي ومحض خيال لا يعكس الواقع المتسارع على الأرض. المملكة اليوم، وتحت مظلة “رؤية 2030” بقيادة الأمير محمد بن سلمان، تقود أحد أضخم مشاريع التنويع الاقتصادي في التاريخ الحديث.
في السعودية الجديدة، لن ترى آبار نفط فحسب، بل ستصطدم بعملاق مالي يدعى “صندوق الاستثمارات العامة” (PIF) بأصول تتجاوز 900 مليار دولار. هذا الصندوق لا يستثمر الأموال بشكل تقليدي، بل يخلق من الصفر صناعات عالمية في الطاقة النظيفة، السياحة المتقدمة، والذكاء الاصطناعي.
أما على الصعيد الاجتماعي، فمن المكابرة إنكار القفزة النوعية في حقوق المرأة السعودية خلال العقد الأخير؛ حيث تسجل النساء اليوم معدلات قياسية في دخول سوق العمل، وقيادة السيارات، وتأسيس الشركات، والتربع على قمة الهرم في مناصب عليا بالقطاعين الحكومي والخاص.
على مستوى الحياة اليومية، يتجلى هذا التحول في مؤشرات الأمن والأمان. لقد أكدت لي سيدات غربيات عشن في الرياض مؤخراً، أن شعورهن بالأمان المطلق أثناء السير في شوارع العاصمة السعودية في منتصف الليل يفوق بمراحل شعورهن بالأمان في وسط مدينة تورونتو الكندية! هذه حقيقة قد تصدم من يعيش خلف الشاشات في الغرب، لكنها الواقع.
في ظل اقتصاد عالمي متقلب لا يرحم، لم يعد بإمكان كندا أن تدفع ثمن العزلة السياسية التي فرضتها عليها مراهقة جاستن ترودو الديبلوماسية بداعي “الاستعراض الأخلاقي”. ما يفعله مارك كارني اليوم على الساحة الدولية هو تصحيح لمسار منحرف، وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.
الديبلوماسية الفعالة تعني الجلوس مع القوى المؤثرة إقليمياً ودولياً على طاولة المفاوضات. التباين في وجهات النظر واختلاف التاريخ بين الدول أمر طبيعي، والندية تقتضي الاحترام المتبادل، لا تبني لغة “الاستعلاء الأخلاقي” أو إلقاء المواعظ والدروس كأننا شريك أعلى.
وجود رئيس الوزراء مارك كارني في جدة اليوم لا يعني أبداً التخلي عن القيم الكندية أو المساومة عليها، بل هو عودة ديبلوماسية ناضجة، واعية، وفعالة لكندا في الساحة الدولية كدولة تحترم مصالحها وتحترم الآخرين.


