هلا كندا – أوتاوا – السبت 17 أكتوبر 2026 – يتصاعد الجدل حول سياسات الهجرة في كندا، مع تراجع التوافق السياسي الذي ساد لسنوات بشأن استقبال المهاجرين، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن والضغوط على الخدمات العامة.
ويبرز هذا التحول في مقاطعتي ألبرتا وكيبيك، حيث أصبحت الدعوات إلى تشديد ضوابط الهجرة جزءاً من النقاش السياسي.
وسط انقسام بشأن تأثير المهاجرين على الاقتصاد والخدمات العامة والهوية الثقافية.
وفاز حزب كيبيك «بارتي كيبيكوا» بحكومة أقلية، بعد حملة تضمنت وعوداً بتشديد قيود الهجرة.
فيما يستعد سكان ألبرتا للتصويت على تسعة أسئلة تتعلق بالدستور والهجرة، بالتزامن مع سؤال بشأن إجراء استفتاء مستقبلي حول الانفصال عن كندا.
خمسة أسئلة عن الهجرة في استفتاء ألبرتا
تتضمن الأسئلة المطروحة في ألبرتا مقترحات لمنح حكومة المقاطعة صلاحيات أوسع في إدارة الهجرة الاقتصادية. إلى جانب تغييرات محتملة في شروط الاستفادة من الخدمات العامة.
وتشمل المقترحات المطروحة:
-
منح ألبرتا صلاحيات أكبر في اختيار المهاجرين الاقتصاديين.
-
قصر الخدمات الممولة من المقاطعة على المواطنين والمقيمين الدائمين والأشخاص الذين يحملون وضع هجرة معتمداً من ألبرتا.
-
فرض رسوم على المقيمين غير الدائمين مقابل الحصول على خدمات الرعاية الصحية والتعليم.
-
اشتراط إقامة المقيمين غير الدائمين في ألبرتا لمدة لا تقل عن 12 شهراً قبل التأهل للحصول على بعض المساعدات الاجتماعية الممولة من المقاطعة.
-
إلزام الناخبين بتقديم إثبات الجنسية عند التصويت في الانتخابات الإقليمية.
وتقول حكومة رئيسة وزراء ألبرتا دانييل سميث إن هذه المقترحات تهدف إلى تعزيز صلاحيات المقاطعة في إدارة شؤونها.
فيما حثت سميث السكان على دعم الأسئلة التسعة لإرسال رسالة إلى الحكومة الفيدرالية في أوتاوا.
وخلال فعالية مؤيدة لوحدة كندا في كالغاري، دعا رئيس الوزراء مارك كارني الناخبين إلى التصويت بـ«لا» على الأسئلة التسعة، مستخدماً شعاراً تبناه معارضو حركة الانفصال.
كيني يدعو إلى نقاش جاد يستند إلى البيانات
قال جيسون كيني، رئيس وزراء ألبرتا السابق ووزير الهجرة الفيدرالي الأسبق، إن كندا بحاجة إلى نقاش أوسع وأكثر جدية بشأن سياسة الهجرة، مؤكداً أهمية الاستناد إلى الأدلة والبيانات والتجارب الدولية.
وأوضح كيني أن الهجرة قضية أساسية لمستقبل البلاد، لكنه حذر من أن النقاش قد ينحرف نحو اتهامات بالعنصرية من جهة، أو مواقف عنصرية فعلية من جهة أخرى.
وأشار إلى أنه لا يرى أن أسئلة الهجرة المطروحة في استفتاء ألبرتا تستند بالضرورة إلى دوافع عنصرية أو معادية للأجانب، لكنه أعرب عن قلقه من بعض التوجهات داخل الحركة الانفصالية في المقاطعة.
ونقل كيني عن ميتش سيلفستر، أحد أبرز قادة الحركة الانفصالية، موقفاً مفاده أن الحصول على الجنسية في جمهورية ألبرتا المقترحة سيقتصر على المولودين فيها.
كما شكك كيني في جدوى منح المقاطعات سيطرة أكبر على الهجرة، معتبراً أن الحكومة الفيدرالية تمتلك أدوات أوسع لكشف الاحتيال ومراعاة احتياجات الاقتصاد الوطني، بينما قد تركز الحكومات الإقليمية على متطلبات أسواق العمل المحلية.
مخاوف لدى الجاليات المهاجرة
أثارت الأسئلة المتعلقة بالهجرة انتقادات من بعض ممثلي الجاليات في ألبرتا، الذين يخشون أن تؤدي المقترحات إلى استهداف المهاجرين والتشكيك في انتمائهم إلى المجتمع الكندي.
وقال المحامي أفنيش ناندا، الشريك المؤسس لمجموعة «Our Alberta Advantage»، إنه يدعو الناخبين إلى رفض الأسئلة المتعلقة بالهجرة.
وأضاف أن ردود الفعل التي لمسها لدى أفراد من الجاليات الثقافية، وكذلك لدى أشخاص فكروا في الترشح عن حزب المحافظين المتحد في ألبرتا، كانت سلبية إلى حد كبير.
وأوضح ناندا أن بعض السكان يرون في هذه الأسئلة استهدافاً لرحلتهم إلى كندا والجذور التي بنوها في البلاد على مدى عقود، مشيراً إلى وجود مخاوف وغضب وارتباك بشأن أهداف الحكومة.
كما أعرب عن اعتقاده بأن ربط ملف الهجرة بحركة الانفصال قد يؤدي إلى تحميل المهاجرين مسؤولية مشكلات أوسع تتعلق بتكاليف المعيشة والخدمات العامة.
وقال ناندا إن النقاش الدائر بدأ يثير مخاوف بشأن التمييز، مشيراً إلى أن والديه تعرضا مؤخراً لمضايقات لفظية من رجلين أبيضين داخل سيارة أثناء سيرهما، في واقعة قال إنها لم تحدث لهما منذ قدومهما إلى كندا في سبعينيات القرن الماضي.
وحذر من أن المقترحات قد تؤثر على المهاجرين والمواطنين من أصول مهاجرة على حد سواء، خصوصاً إذا لم يميز بعض المؤيدين لهذه الإجراءات بين الوافدين الجدد والأشخاص الذين عاشوا في كندا لعقود.
كيبيك تسعى إلى خفض أعداد المقيمين الدائمين
في كيبيك، تبنى حزب كيبيك برنامجاً يدعو إلى تشديد سياسة الهجرة، متعهداً بخفض عدد المقبولين سنوياً للحصول على الإقامة الدائمة من 45 ألفاً إلى 35 ألفاً.
ويتضمن البرنامج أيضاً فرض وقف مؤقت على الهجرة الدائمة من خارج المقاطعة، وإعطاء الأولوية لمنح الإقامة الدائمة للمقيمين المؤقتين الموجودين بالفعل في كيبيك، وتشديد معايير اختيار العمال المؤقتين.
وتتمتع كيبيك بصلاحيات أوسع في إدارة الهجرة مقارنة بالمقاطعات الكندية الأخرى، بموجب ترتيبات قائمة منذ عام 1991.
وقالت كاثرين إكسارديز، أستاذة العلوم السياسية بجامعة مونتريال، إن الحكومة السابقة، بقيادة ائتلاف مستقبل كيبيك، ساهمت في تحويل الهجرة إلى قضية سياسية خلافية، بعدما بدأت بفرض قيود تسعى الحكومة الجديدة إلى تعزيزها.
وأوضحت أن الأحزاب الرئيسية في كيبيك كانت تتوافق قبل عام 2018 إلى حد كبير على أهمية الهجرة للاقتصاد والتركيبة السكانية وتعزيز اللغة الفرنسية، قبل أن يتغير هذا التوافق مع تصاعد الدعوات إلى خفض أعداد الوافدين.
اختلاف بين ألبرتا وكيبيك
ترى إكسارديز أن الجدل في ألبرتا يركز بدرجة كبيرة على الضغوط التي تواجه الخدمات العامة، إذ يربط بعض المعارضين للهجرة بين الوافدين ونقص الخدمات الاجتماعية، بينما يتمحور النقاش في كيبيك بدرجة أكبر حول الهوية والثقافة واللغة الفرنسية.
وأضافت أن الهجرة أصبحت أيضاً ورقة تفاوضية تستخدمها حكومة كيبيك في تعاملاتها مع الحكومة الفيدرالية.
وفي ألبرتا، يقول منتقدو الإجراءات إن تقييد وصول المهاجرين إلى الخدمات قد يجعل اندماجهم في المجتمع أكثر صعوبة، في وقت تعتمد فيه قطاعات عديدة على العمالة الوافدة.
وأشار ناندا إلى أن بعض غرف التجارة من أبرز الجهات المعارضة للأسئلة المتعلقة بالهجرة، بسبب الصعوبات التي تواجه الشركات في العثور على موظفين.
وأكد أن المهاجرين يسهمون في توسيع القاعدة الضريبية وتمويل البرامج والخدمات العامة، لافتاً إلى أن المستشفيات الريفية ومرافق الرعاية طويلة الأجل في ألبرتا تعتمد على أعداد كبيرة من الممرضين والعاملين المهاجرين لسد النقص في الموظفين المحليين.
هل يتغير الموقف الكندي من الهجرة؟
قالت إكسارديز إن كندا لا تزال تختلف عن الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، حيث توجد أحزاب رئيسية تتبنى مواقف مناهضة للهجرة، لكنها شددت على أن الدعم الشعبي للهجرة لم يعد بالضرورة بالقوة التي كان عليها سابقاً.
من جانبه، حذر كيني من أن غياب النقاش العام الجاد حول الهجرة قد يوسع الفجوة بين مواقف النخب السياسية والرأي العام، مشيراً إلى أن معالجة المخاوف المتعلقة بالسكن والبطالة والخدمات العامة تتطلب نقاشاً مفتوحاً يستند إلى الوقائع.
ويعكس الجدل في ألبرتا وكيبيك تحول ملف الهجرة إلى قضية انتخابية بارزة، تتداخل فيها المخاوف الاقتصادية مع النقاشات المتعلقة بالهوية والصلاحيات الدستورية ومستقبل العلاقة بين المقاطعات والحكومة الفيدرالية.


