هيثم حمد
رئيس تحرير شبكة هلا كندا الإعلامية
كندا – يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة ليذكرنا بأن الكلمة ليست مجرد حروف تُنشر، بل هي أمانة ثقيلة ومسؤولية وطنية وأخلاقية تتطلب دقة متناهية. فالصحافة الحقيقية هي المرآة التي تعكس قضايا المجتمع وتنقل الحقيقة من مصادرها الموثوقة، وهي السلطة الرابعة التي تهدف إلى التنوير وحماية حقوق الشعوب من خلال بث أخبار تتسم بالموضوعية والنزاهة. إن الالتزام بالمعايير المهنية هو ما يفرق بين الإعلامي الحقيقي وبين من يبحث عن الشهرة الزائفة، فالمسؤولية التي تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية في تشكيل الوعي العام هي حجر الزاوية في بناء مجتمعات ديمقراطية واعية ومستقرة.
إلا أن المشهد الإعلامي اليوم يواجه تحديات وجودية مع اجتياح “العوام” لمنصات التواصل الاجتماعي، حيث تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة لنشر الأخبار المضللة وغير الصحيحة التي تفتقر لأدنى معايير المصداقية. لقد تسبب هؤلاء في إساءة بالغة لمهنة المتاعب، حيث أصبح التسابق على “الترند” أهم من دقة الخبر، مما أدى إلى تضليل الرأي العام وإثارة البلبلة. وما يزيد الطين بلة هو انتشار ظاهرة سرقة المحتوى الإخباري ونسبه للنفس دون أدنى إشارة للمصدر الأصلي، في انتهاك صارخ للملكية الفكرية ولأخلاقيات العمل الصحفي التي تفرض احترام الجهد المبذول في استقصاء المعلومة.
وعلاوة على التضليل والسرقة، يعاني المجتمع من انتشار “الإمعات” والمتفلسفين الذين يقدمون محتوى هابطاً يفتقر للحس المهني والثقافي، متخذين من صخب السوشيال ميديا منبراً لفرض آراء سطحية تضر بالذوق العام. هؤلاء الدخلاء على المهنة ساهموا في تآكل هيبة الإعلام وقدرته على التأثير الإيجابي، حيث يتم استبدال العمق الفكري بضجيج لا طائل منه. إن هذا التدهور الخطير استدعى تحركاً عاجلاً، حيث تم مؤخراً عقد اجتماع موسع ضم نخبة من الإعلاميين وممثلين عن نقابة الصحفيين وجهات رسمية ونواباً، بهدف صياغة تشريعات وقوانين صارمة تضع حداً لهذه الفوضى وتنظم العمل الإعلامي الرقمي.
وفي ظل هذا التلاطم، تبرز شبكة “هلا كندا” الإعلامية كنموذج للالتزام بالعرف والقوانين الإعلامية الرصينة، حيث تضع مصلحة المتلقي فوق كل اعتبار وتلتزم بالشفافية المطلقة. لقد نجحت الشبكة، عبر مسيرة امتدت لأكثر من 11 عاماً، في بناء جسور متينة من الثقة والتواصل المستمر مع الجمهور العربي في كندا، لتصبح المصدر الأول والآمن للمعلومة. إن القاعدة الجماهيرية العريضة التي نتمتع بها لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتاج عمل دؤوب واحترام عميق لعقل المشاهد والقارئ، والتمسك بالقيم التي تجعل من “هلا كندا” منارة إعلامية يشار إليها بالبنان وسط زحام الأخبار الزائفة.
إن حماية مهنة الصحافة من الدخلاء باتت ضرورة ملحة لا تقبل التأجيل، فالقوانين الجديدة المنتظرة يجب أن تكون رادعة لكل من تسول له نفسه العبث بعقول الناس أو تزييف الحقائق. نحن بحاجة إلى بيئة إعلامية تحمي الصحفي المهني من “سارقي الأضواء” وتضمن تقديم معلومة نظيفة تحترم ذكاء الجمهور وتساهم في رقيه. إن العمل الإعلامي ليس نزهة أو وسيلة لجمع المتابعين، بل هو رسالة سامية تتطلب ثقافة واسعة وضبطاً أخلاقياً ذاتياً قبل أن يكون مجرد ممارسة مهنية، وهذا ما نسعى لتكريسه في كل خبر ومقال نقدمه لجمهورنا العزيز الذي نعتز بوفائه الدائم.
من خلال متابعتي الدقيقة للمشهد الإعلامي لسنوات طويلة، أرى أن الصحافة تمر بمخاض عسير يتطلب منا كمجتمع وإعلاميين التكاتف لحماية “قدسية الخبر” من عبث الهواة والمتسلقين. إنني أؤمن تماماً أن الجمهور في نهاية المطاف يمتلك الفراسة للتمييز بين الغث والسمين، وسيبقى الإعلام الرصين هو المرجع الوحيد مهما تعالت أصوات “المتطلفلين” على الشاشات. إن استعادة هيبة الصحافة تبدأ من احترامنا نحن لأنفسنا ولمهنتنا، ومن خلال الضغط لإقرار القوانين التي تحاسب من يسيء لهذه المنابر الحرة، ليبقى الإعلام صوتاً للحق ومرآة صادقة تعكس الطموحات بعيداً عن التضليل أو الابتذال.


