هلا كندا – رغم مرور أكثر من ست سنوات على تفشي جائحة كوفيد-19، لا يزال الجدل حول منشأ الفيروس مستعراً، في مشهد يرى فيه الخبراء إخفاقاً دولياً واضحاً في استخلاص الدروس وتعزيز منظومة الأمن الحيوي العالمي. وإن كانت الجائحة قد انحسرت في تفاصيل الحياة اليومية، إلا أن فتح هذا الملف لا يتعلق بإعادة تقليب صفحات الماضي، بل يستهدف الاستعداد لمواجهة أوبئة مستقبلية يُخشى أن تكون أكثر فتكاً.
في مقال حديث نشرته مجلة “نيوزويك”، يسلط جيمي ميتزل، مؤسس ورئيس منظمة “وان شيرد وورلد”، الضوء على هذه القضية، داعياً إلى إجراء تحقيق شامل ومستقل يكشف الحقيقة بعيداً عن التجاذبات السياسية. ويرى ميتزل أن النقاش داخل الولايات المتحدة انحرف عن مساره الجوهري والمتمثل في السؤال: “كيف بدأت الجائحة؟”، ليتحول بدلاً من ذلك إلى مواجهة وسياسية وقانونية، تجسدت مؤخراً في جلسة الاستماع بمجلس الشيوخ بين السيناتور الجمهوري راند بول والمدير السابق للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية الدكتور أنتوني فاوتشي.
هذا المشهد السياسي المعقد، بحسب الكاتب، صرف الأنظار عن القضايا الأكثر حرجاً والمتعلقة بالمنشأ الحقيقي للفيروس وإجراءات السلامة الحيوية المطلوبة لمنع تكرار المأساة. ورغم أن تاريخ فاوتشي الطبي حافل بالإنجازات في مكافحة أمراض كالإيدز وتطوير اللقاحات، إلا أن الكاتب يعتقد أن ذلك لا يمنحه حصانة من المساءلة بشأن ترجيحه المبكر والواثق للفرضية الطبيعية لمنشأ الفيروس، في وقت كانت تفتقر فيه الساحة العلمية للأدلة الكافية لحسم الأمر.
وتزداد الإشكاليات عمقاً عند النظر في ملف التمويل الأمريكي لأبحاث أُجريت داخل معهد ووهان لعلم الفيروسات في الصين. وحتى مع الإقرار بأن تلك الأموال لم تكن كافية لإنتاج فيروس “سارس-كوف-2″، فإن أصل الأزمة يكمن في تقديم دعم مالي لمؤسسة تفتقر للشفافية الكافية حول طبيعة تجاربها ومعايير الأمان الحيوي المعمول بها داخلها.
وفي هذا السياق، يميل ميتزل إلى ترجيح فرضية حدوث تسرب أو حادث مرتبط بالأبحاث العلمية، تبعته محاولات للتكتم من قبل السلطات الصينية. ويستند في ترجيحه إلى شواهد منطقية؛ أبرزها أن بؤرة التفشي الأولى كانت في مدينة ووهان التي تحتضن أهم مركز صيني لأبحاث فيروسات كورونا، رغم بعدها أكثر من ألف ميل عن الموطن الطبيعي للخفافيش الحاملة للفيروسات المشابهة. يُضاف إلى ذلك عجز العلماء -حتى اللحظة- عن تحديد الحيوان الوسيط الذي نقل العدوى إلى البشر، إلى جانب رفض الصين المستمر لتقديم بيانات أساسية لمنظمة الصحة العالمية، تشمل سجلات المختبرات والتسلسلات الفيروسية المبكرة.
وعلى الرغم من المآخذ الموجهة لبكين، يشدد المقال على أن تحميل الصين المسؤولية لا ينبغي أن يحجب مراجعة المؤسسات الأمريكية وأدائها. ولتجاوز هذا الانسداد، يجدد ميتزل دعوته لتشكيل لجنة وطنية مستقلة تضم ممثلين من الحزبين، على غرار لجنة التحقيق في أحداث 11 سبتمبر، لتتولى دراسة كافة جوانب الأزمة، بدءاً من المنشأ وتمويل الأبحاث الخارجية، وصولاً إلى ثغرات الاستخبارات والصحة العامة.
إن العالم اليوم يواجه تسارعاً غير مسبوق في تقنيات الهندسة الحيوية تتزايد معه مخاطر الأوبئة المستقبليّة، في وقت ما زالت فيه قدرة المجتمع الدولي على إدارة هذه المخاطر متأخرة خطوة إلى الخلف. ومن هذا المنطلق، ينتهي المقال إلى تحذير رئيسي: إن الفشل في فهم الأسباب الحقيقية لكوفيد-19 قد يجعل التكلفة البشرية والاقتصادية للجائحة القادمة أعلى بكثير مما شهده العالم في أزمته الأخيرة.


